والآية المبحوث عنها أعني قوله :
وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
صدرها يشير إلى إسلامهم وذيلها إلى كون ذاك الإسلام اضطراريا لا ينفعهم لأنهم كانوا يرون للّه ألوهية ولشركائهم ألوهية فاختاروا تسليم شركائهم وعبادتهم على التسليم للّه ثم لما ظهر لهم الحق يوم القيامة وكذبهم شركائهم بطل ما زعموه وضل عنهم ما افتروه فلم يبق للتسليم إلا اللّه سبحانه فسلموا له مضطرين وانقادوا له كارهين .
قوله تعالى :
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ
استئناف متعرض لحال أئمة الكفر بالخصوص بعد ما أشار إلى حال عامة الظالمين والمشركين في الآيات السابقة .
والسامع إذا سمع ما شرحه اللّه من حالهم يوم القيامة في هذه الآيات وأنهم معذبون جميعا من غير أن يخفف عنهم أو ينظروا فيه ، وقد سمع منه أن منهم طائفة هم أشد كفرا وأشقى من غيرهم إذ يقول
« وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ »
خطر بباله طبعا أنهم هل يساوون غيرهم في العذاب الموعود وهم يزيدون عليهم في السبب وهو الكفر .
فاستؤنف الكلام جوابا عن ذلك فقيل
« الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ »
بالعناد واللجاج فاكتملوا في الكفر واقتدى بهم غيرهم
« زِدْناهُمْ عَذاباً »
وهو الذي للصد وهم يختصون به
« فَوْقَ الْعَذابِ »
وهو الذي بإزاء مطلق الظلم والكفر ويشاركون فيه عامة إخوانهم ، وكأن اللام في العذاب للعهد الذكري يشار بها إلى ما ذكر في قوله :
« وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ »
الخ ؛
« بِما كانُوا يُفْسِدُونَ »
تعليل لزيادة العذاب .
قوله تعالى :
وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ
الخ ؛ صدر الآية تكرار ما تقدم قبل بضع آيات من قوله :
« وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً »
غير أنه كان هناك توطئة وتمهيدا لحديث عدم الإذن لهم في الكلام يومئذ ، وهو هاهنا توطئة وتمهيد لذكر شهادته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لهؤلاء يومئذ وهو في الموضعين مقصود