التي ينسبون إليها الآثار على سبيل الاستقلال وهم جاهلون بحقيقة حالها ولا علم لهم جازما أنها تضر وتنفع مع ما يرون من تخلفها عن التأثير أحيانا .
وإنما نسب إليهم أنهم يجعلون لها نصيبا من رزقهم مع أنهم يسندون الرزق إليها بالاستقلال من غير أن يذكروا اللّه معها ومقتضاه نفي التأثير عنه تعالى رأسا لا إشراكه معها لأن لهم علما فطريا بأن اللّه سبحانه له تأثير في الأمر وقد ذكر عنهم آنفا أنهم يجأرون اليه عند مس الضر وإذا اعتبر اعترافهم هذا مع إسنادهم التأثير إلى الأسباب أنتج ذلك أن الأسباب عندهم شركاء للّه في الرزق ولها نصيب فيه ثم أوعدهم بقوله :
« تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ »
.
قوله تعالى :
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ
عتاب آخر لهم في حكم حكموا به جهلا من غير علم فاحترموا لأنفسهم وأساءوا الأدب مجترئين على اللّه سبحانه حيث اختاروا لأنفسهم البنين وكرهوا البنات لكنهم نسبوها إلى اللّه سبحانه .
فقوله :
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ
هو أخذهم الآلهة دون اللّه أو بعض الآلهة إناثا ، وقولهم : إنهن بنات اللّه ، وقد قيل : إن خزاعة وكنانة كانوا يقولون : إن الملائكة بنات اللّه .
وكانت الوثنية البرهمية والبوذية والصابئة يثبتون آلهة كثيرة من الملائكة والجن إناثا وهنّ بنات اللّه ، وفي القرآن الكريم :
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً
( الزخرف / 19 ) ، وقال تعالى :
وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً
( الصافات / 158 ) .
وقوله :
وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ
ظاهر السياق أنه معطوف على
« لِلَّهِ الْبَناتِ »
والتقدير ويجعلون لهم ما يشتهون ، أي يثبتون للّه سبحانه البنات باعتقاد أن الملائكة بناته ويثبتون لأنفسهم ما يشتهون وهم البنون بقتل البنات ووأدها والمحصّل أنهم يرضون للّه بما لا يرضون به لأنفسهم .