فالكفر باللّه سبحانه هو غايتهم العامة في كل شأن أبدوه وكل عمل أتوا به فإذا أشركوا بربهم بعد كشف الضرّ بالخضوع لسائر الأسباب فإنما أشركوا ليكفروا بما آتاهم من النعمة .
ولما كان كفرانهم هذا - وهو كفر دائم يصرّون عليه واستكبار على اللّه ، وقد قال تعالى :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ
( إبراهيم / 7 ) أثار ذكر ذلك الغضب الإلهي فعدل عن خطاب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وهم على نعت الغيبة إلى خطابهم وإيعادهم من غير توسيط فقال :
« فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ »
.
ولم يذكر ما يتمتعون به ليفيد بالإطلاق أن كل ما تمتعوا به سيؤاخذون عليه ولا ينفعهم شيء منه ، ولم يذكر ما يعلمونه - وهو لا محالة أمر يسوؤهم - ليكونوا على جهل منه حتى يحل بهم مفاجأة ويبدو لهم من اللّه ما لم يكونوا يحتسبون وفيه تشديد للإيعاد .
قوله تعالى :
وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ
ذكروا أنه معطوف على سائر جناياتهم التي دلّت عليها الآيات السابقة والتقدير أنهم يفعلون ما قصصناه من جناياتهم ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا ، والظاهر أن « ما » في
« لِما لا يَعْلَمُونَ »
موصولة والمراد به آلهتهم وضمير الجمع يعود إلى المشركين ومفعول
« لا يَعْلَمُونَ »
محذوف والمعنى ويجعل المشركون لآلهتهم التي لا يعلمون من حالها أنها تضر وتنفع نصيبا مما رزقناهم .
والمراد من هذا الجعل ما ذكره سبحانه في سورة الأنعام بقوله :
وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ
( الأنعام / 136 ) ، هذا ما ذكروه ولا يخلو عن تكلف .
ويمكن أن يكون معطوفا على ما مرّ من قوله :
« يُشْرِكُونَ »
والتقدير إذا فريق منكم بربهم يشركون ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم ، والمراد بما لا يعلمون الأسباب الظاهرة