وأما جعل لعنته خاصة عليه في قوله : « عليه لعنتي » فلأن الإبعاد من الرحمة بالحقيقة إنما يؤثر أثره إذا كان منه تعالى إذ لا يملك أحد من رحمته إعطاء ومنعا إلا بإذنه فاليه يعود حقيقة الإعطاء والمنع .
على أن اللعن من غيره تعالى بالحقيقة دعاء عليه بالإبعاد من الرحمة وأما نفس الإبعاد الذي هو نتيجة الدعاء فهو من صنعه القائم به تعالى وحقيقته المبالغة في منع الرحمة .
وقال في المجمع : وقال بعض المحققين : إنما قال سبحانه هنا :
« وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ »
بالألف واللام ، وقال في سورة ص :
لَعْنَتِي
بالإضافة لأن هناك يقول
« لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ »
مضافا ، فقال :
« وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي »
على المطابقة ، وقال هنا :
« ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ »
وساق الآية على اللام في قوله :
« وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ »
وقوله :
« وَالْجَانَّ »
فأتى باللام أيضا في قوله :
« وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ »
انتهى وقال أيضا في الآية بيان أنه لا يؤمن قط .
وأما تقييد اللعنة بقوله :
إِلى يَوْمِ الدِّينِ
فلأن اللعنة هي عنوان الإثم والوبال العائد إلى النفس من المعصية والمعصية محدودة بيوم القيامة فاليوم عمل ولا جزاء وغدا جزاء ولا عمل ، وإن شئت فقل : هذه الدار دار كتابة الأعمال وحفظها ويوم القيامة دار الحساب والجزاء .
قوله تعالى :
قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
الانظار هو الامهال وقد صدّر كلامه بقوله :
« رَبِّ »
وهو يخاصمه وقد عصاه واستكبر عليه تعالى لأنه في مقام الدعاء لا مفر له من دعوته تعالى بما يثير به الرحمة الإلهية المطلقة وهو الالتجاء اليه بربوبيته له ليستجيب له وهو مغضوب عليه .
وقد صدّر مسألته بفاء التفريع في قوله :
« فَأَنْظِرْنِي »
وذكر فيه بعثة عامة البشر من غير أن يخص بالذكر آدم أباهم الذي ابتلى بالرجم واللعن من أجل الإباء عن السجود له وذلك كله مبني على ما تقدم في تفسير آيات القصة في سورة الأعراف أن المأمور به كان هو السجود