وفعله تعالى ملازم للحق مصاحب له فخلق السماوات والأرض يخلف عالما باقيا بعد زواله ، ولو لم يكن كذلك كان باطلا لا أثر له ولا خلف يخلفه ، وكان العالم المشهود بما فيه من النظام البديع لعبا منه سبحانه اتخذه لحاجة منه إليه كالتنفس من كرب وسأمة والتفرج من همّ أو التخلص من وحشة وحدة ونحو ذلك وهو سبحانه العزيز الحميد لا تمسّه حاجة ولا يذله فقر وفاقة .
وبما مرّ يظهر أن الباء في قوله :
« بِالْحَقِّ »
للمصاحبة وأن قول بعضهم : أن الباء للسببيّة أو الآلة وأن المعنى كيف خلقها بقوله الحق أو للغرض الحق ليس على ما ينبغي .
قوله تعالى :
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ، وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ
أي بشاق صعب ، والخطاب لعامة البشر بجعل النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم مثالا لهم يمثلون به لان الخطاب متوجه إليه في قوله قبل وبعد :
« أَ لَمْ تَرَ »
« وَما ذلِكَ »
.
قوله تعالى :
وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً
إلى آخر الآية ؛ البروز هو الخروج إلى البراز بفتح الباء وهو الفضاء ، يقال : برز اليه إذا خرج اليه بحث لا يحجبه عنه حاجب ، ومنه المبارزة والبراز كخروج المقاتل من الصف إلى كفؤه من العدو .
والتبع بفتحتين جمع تابع كخدم وخادم ، وقيل : اسم جمع ، وقيل : مصدر جيء به للمبالغة ، والإغناء الإفادة وضمّن معنى الدفع ولذا عدّي بعن كما قيل ، والجزع والصبر متقابلان ، والمحيص اسم مكان من حاص يحيص حيصا وحيوصا إذا زال عن المكروه كما في المجمع فالمحيص هو المكان الذي يزول اليه الإنسان عن المكروه والشدة .
وقوله :
وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً
أي ظهروا له تعالى ظهورا لا يحجبهم عنه حاجب وهذا بالنسبة إلى أنفسهم حيث كانوا يتوهمون في الدنيا أن ربهم في غيبة عنهم وهم غائبون عنه ، فإذا كان يوم القيامة زال كل ستر متوهم وشاهدوا أن لا حاجب هناك يحجبهم عنه ، وأما هو تعالى فلا ساتر يستر عنه في دنيا ولا آخرة ، قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي