مرجع يصلح لها جميعا إلّا ما في الآية السابقة أعني الموصول في قوله :
« مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ »
الخ ؛ فهذا الإنسان الذي يعلم به اللّه سبحانه في جميع أحواله هو الذي له معقبات من بين يديه ومن خلفه .
وتعقيب الشيء إنما يكون بالمجيء بعده والإتيان من عقبه فتوصيف المعقبات بقوله :
« مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ »
إنما يتصور إذا كان سائرا في طريق ، ثم طاف عليه المعقبات حوله وقد أخبر سبحانه عن كون الإنسان سائرا هذا السير بقوله :
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ
( الانشقاق / 6 ) وفي معناه سائر الآيات الدالة على رجوعه إلى ربه كقوله :
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
( يس / 83 )
وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ
( العنكبوت / 21 ) فللإنسان وهو سائر إلى ربه معقبات تراقبه من بين يديه ومن خلفه .
والآية أعني قوله :
« إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ »
الخ ؛ يدل بالجملة على أن اللّه قضى قضاء حتم بنوع من التلازم بين النعم الموهوبة من عنده للإنسان وبين الحالات النفسية الراجعة إلى الإنسان الجارية على استقامة الفطرة فلو جرى قوم على استقامة الفطرة وآمنوا باللّه وعملوا صالحا أعقبهم نعم الدنيا والآخرة كما قال :
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا
( الأعراف / 96 ) والحال ثابتة فيهم دائمة عليهم ما داموا على حالهم في أنفسهم فإذا غيروا حالهم في أنفسهم غير اللّه سبحانه حالهم الخارجية بتغيير النعم نقما .
وأما قوله تعالى :
وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ
فإنما دخل في الحديث لا بالقصد الأولى لكنه تعالى لما ذكر أن كل شيء عنده بمقدار وأن لكل إنسان معقبات يحفظونه بأمره من أمره ولا يدعونه يهلك أو يتغير أو يضطرب في وجوده والنعم التي أوتيها ، وهم على حالهم من اللّه لا يغيرها عليهم حتى يغيروا ما بأنفسهم وجب أن يذكر أن هذا التغيير من السعادة إلى الشقاء ومن النعمة إلى النقمة أيضا من الأمور المحكمة المحتومة التي