وتدبير الكل إجراء النظام العام العالمي بحيث بتوجه إلى غايته الكلية وهي الرجوع إلى اللّه وظهور الآخرة بعد الدنيا .
وقوله :
يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ
ظاهر السياق أن المراد بالآيات هي الآيات الكونية فالمراد بتفصيلها هو تمييز بعضها من بعض وفتقها بعد رتقها ، وهذا من سنته تعالى يفصل الأشياء ويميز كل شيء من كل شيء ويخرج من كل شيء ما هو كامن فيه مستخف في باطنه فينفصل به النور من الظلمة والحق من الباطل والخير من الشر والصالح من الطالح والمثيب من المجرم .
ولذا عقبه بقوله :
« لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ »
فإن يوم اللقاء هو الساعة التي سماها اللّه بيوم الفصل ووعد فيه تمييز المتقين من المجرمين والفجار قال :
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ
( الدخان / 40 ) ، وقال :
وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ
( يس / 59 ) ، وقال :
لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
( الأنفال / 37 ) .
وفي قوله :
لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ
ولم يقل : لعلكم بلقائه ، وضع الظاهر موضع المضمر والوجه فيه الإصرار على تثبيت الربوبية والتأكيد له والإشارة إلى أن الذي خلق العالم ودبر أمره فصار ربا له هو رب لكم أيضا فلا رب إلّا رب واحد لا شريك له .
قوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً
إلى آخر الآية ؛ الرواسي جمع راسية من رسي إذا ثبت وقر ، والمراد بها الجبال لثباتها في مقرها ، والزوج خلاف الفرد ويطلق على مجموع الأمرين وعلى أحدهما فهما زوج وهما زوجان ، وربما يقيد الزوجان باثنين تأكيدا للدلالة على أن المراد هو اثنان لا أربعة كما في الآية .
وقوله :
هُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ
أي بسطها بسطا صالحا لأن يعيش فيه الحيوان وينبت فيه الزرع والشجر ، والكلام في نسبة مد الأرض اليه تعالى وكونه كالتوطئة والتمهيد لما