فظاهر ذلك كله أن يكون المراد بالآيات المشار إليها بقوله :
« تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ »
الموجودات الكونية والأشياء الخارجية المسخرة في النظام العام الإلهي ، والمراد بالكتاب هو مجموع الكون الذي هو بوجه اللوح المحفوظ أو المراد به القرآن الكريم بما يشتمل على الآيات الكونية بنوع من العناية والمجاز .
وعلى هذا يكون في الآية إشارة إلى نوعين من الدلالة وهما الدلالة الطبعية التي تتلبس بها الآيات الكونية من السماء والأرض وما بينهما ، والدلالة اللفظية التي تتلبس بها الآيات القرآنية المنزلة من عنده تعالى إلى نبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، ويكون قوله :
« وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ »
استدراكا متعلق بالجملتين معا أعني بقوله :
« تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ »
وقوله :
« وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ »
لا بالجملة الأخيرة فحسب .
والمعنى - واللّه أعلم - تلك الأمور الكونية - وقد أشير بلفظ البعيد دلالة على ارتفاع مكانتها - آيات الكتاب العام الكوني دالة على أن اللّه سبحانه واحد لا شريك له في ربوبيته والقرآن الذي أنزل إليك من ربك حق ليس بباطل - واللام في قوله :
« الْحَقُّ »
للحصر فتفيد المحوضة - فتلك آيات قاطعة في دلالتها وهذا حق في نزوله ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ، لا بتلك الآيات العينية ولا بهذا الحق النازل ، وفي لحن الكلام شيء من اللوم والعتاب .
قوله تعالى :
اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
إلى آخر الآية ؛ قال الراغب في المفردات : العمود ما تعتمد عليه الخيمة وجمعه عمد - بضمتين - وعمد - بفتحتين - قال : في عمد ممدة ، وقرئ في عمد ، وقال : بغير عمد ترونها انتهى . وقيل : إن العمد بفتحتين اسم جمع للعماد لا جمع .
والمراد بالآية التذكير بدليل ربوبيته تعالى وحده لا شريك له وأن السماوات مرفوعة بغير عمد تعتمد عليها تدركها أبصاركم وهناك نظام جار وهناك شمس وقمر مسخران يجريان إلى أجل مسمى ، ولا بد ممن يقوم على هذه الأمور فيرفع السماء وينظم النظام ويسخر الشمس