بِاللَّهِ
( هود / 88 ) .
فقوله :
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي
إشارة إلى قوله :
« أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ »
وأنه لم قل هذا القول بداعي تنزيه نفسه وتزكيتها بل بداعي حكاية رحمة من ربه ، وعلل ذلك بقوله :
« إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ »
أي إن النفس بطبعها تدعو إلى مشتهياتها من السيئات على كثرتها ووفورها فمن الجهل أن تبرأ من الميل إلى السوء ، وإنما تكفّ عن أمرها بالسوء ودعوتها إلى الشر برحمة من اللّه سبحانه تصرفها عن السوء وتوفّقها لصالح العمل .
قوله تعالى :
وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ
يقال : أستخلصه أي جعله خالصا ، والمكين صاحب المكانة والمنزلة ، وفي قوله :
« فَلَمَّا كَلَّمَهُ »
حذف للإيجاز والتقدير : فلما أتي به اليه وكلمه قال إنك اليوم ، الخ ؛ وفي تقييد الحكم باليوم إشارة إلى التعليل ، والمعنى إنك اليوم وقد ظهر من مكارم أخلاقك في التجنب عن السوء والفحشاء والخيانة والظلم ، والصبر على مكروه وصغار في سبيل طهارة نفسك ، واختصاصك بتأييد من ربك غيبي وعلم بالأحاديث والرأي والحزم والحكمة والعقل لدينا ذو مكانة وأمانة ، وقد أطلق قوله :
« مَكِينٌ أَمِينٌ »
فأفاد بذلك عموم الحكم .
والمعنى : وقال الملك ائتوني بيوسف أجعله خالصا لنفسي وخاصة لي فلما أتي به اليه وكلمه قال له إنك اليوم وقد ظهر من كمالك ما ظهر لدينا ذو مكانة مطلقة وأمانة مطلقة يمكنك من كل ما تريد ويأتمنك على جميع شؤون الملك وفي ذلك حكم صدارته .
قوله تعالى :
قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
لما عهد الملك ليوسف إنك اليوم لدينا مكين أمين وأطلق القول سأله يوسف عليه السّلام أن ينصبه على خزائن الأرض ويفوّض اليه أمرها ، والمراد بالأرض أرض مصر .
ولم يسأله ما سأل إلّا ليتقلد بنفسه إدارة أمر الميرة وأرزاق الناس الناس فيجمعها