واتضحت بذلك براءته عليه السّلام من كل وجه ، وفي قول النسوة وقول امرأة العزيز جهات من التأكيد بالغة في ذلك كنفي السوء عنه بالنكرة في سياق النفي مع زيادة من
« ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ »
مع كلمة التنزيه
« حاشَ لِلَّهِ »
في قولهن ، واعترافها بالذنب في سياق الحصر
« أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ »
وشهادتها بصدقه مؤكدة بإنّ واللام والجملة الاسمية
« وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ »
وغير ذلك في قولها . وهذا ينفي عنه عليه السّلام كل سوء أعم من الفحشاء والمراودة لها وأي ميل ونزعة إليها وكذب وافتراء ، بنزاهة من حسن اختياره .
قوله تعالى :
ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ
من كلام يوسف عليه السّلام على ما يدل عليه السياق ، وكأنه قاله عن شهادة النسوة على براءة ساحته من كل سوء واعتراف امرأة العزيز بالذنب وشهادتها بصدقه وقضاء الملك ببراءته .
وحكاية القول كثير النظير في القرآن كقوله :
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ
( البقرة / 285 ) أي قالوا لا نفرق ، الخ ؛ وقوله :
وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ
( الصافات / 166 ) .
وعلى هذا فالإشارة بقوله :
« ذلِكَ »
إلى إرجاع الرسول إلى الملك وسؤاله القضاء ، والضمير في
« لِيَعْلَمَ »
و
« لَمْ أَخُنْهُ »
عائد إلى العزيز والمعنى إنما أرجعت الرسول إلى الملك وسألته أن يحقق الأمر ويقضي بالحق ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب بمراودة امرأته وليعلم أن اللّه لا يهدي كيد الخائنين .
يذكر عليه السّلام لما فعله من الإرجاع والسؤال غايتين :
أحدهما : أن يعلم العزيز أنه لم يخنه وتطيب نفسه منه ويزول عنها وعن أمره أي شبهة وريبة .