تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
ليوسف - حملهم الكبر والأنفة أن يحسدوه فيكيدوا له كيدا ليحولوا بينه وبين ما تبشره به رؤياه . ولذلك خاطب يوسف عليه السّلام خطاب الإشفاق كما يدل عليه قوله :
« يا بُنَيَّ »
بلفظ التصغير ، ونهاه عن اقصاص رؤياه على إخوته قبل أن يعبرها له وينبئه بما تدل عليه رؤياه من الكرامة الإلهية المقضية في حقه ، ولم يقدم النهي على البشارة إلّا لفرط حبه له وشدة اهتمامه به واعتنائه بشأنه ، وما كان يتفرس من إخوته أنهم يحسدونه وأنهم امتلئوا منه بغضا وحنقا . والدليل على بلوغ حسدهم وظهور حنقهم وبغضهم قوله :
« لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً »
فلم يقل : إني أخاف أن يكيدوا ، أو لا آمنهم عليك بتفريع الخوف من كيدهم أو عدم الأمن من جهتهم بل فرّع على اقتصاص الرؤيا نفس كيدهم وأكّد تحقق الكيد منهم بالمصدر - المفعول المطلق - إذ قال
« فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً »
ثمّ أكد ذلك بقوله ثانيا في مقام التعليل :
« إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ »
أي إن لكيدهم سببا آخر منفصلا يؤيد ما عندهم من السبب الذي هو الحسد ويثيره ويهيجه ليؤثر أثره السيئ وهو الشيطان الذي هو عدو للإنسان مبين لا خلة بينه وبينه أبدا يحمل الإنسان بوسوسته وتسويله على أن يخرج من صراط الاستقامة والسعادة إلى سبيل عوج فيه شقاء دنياه وآخرته فيفسد ما بين الوالد وولده وينزع بين الشقيق وشقيقه ويفرق بين الصديق وصديقه ليضلهم عن الصراط . فكأن المعنى : قال يعقوب ليوسف عليهما السّلام : يا بنيّ لا تقصص رؤياك على إخوتك فإنهم يحسدونك ويغتاظون من أمرك فيكيدونك عندئذ بنزع وإغراء من الشيطان وقد تمكن من قلوبهم ولا يدعهم يعرضوا عن كيدك فإن الشيطان للإنسان عدوّ مبين . قوله تعالى :
وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ
إلى آخر الآية ؛ الاجتباء من الجباية وهي الجمع يقال : جبيت الماء في الحوض إذا جمعته فيه ، ومنه جباية الخراج أي جمعه قال تعالى
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 234 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي