تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
فقوله :
يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ
لحكاية الحال الماضية أو بتقدير فعل ماض قبله وتقديره : اخذ يجادلنا ، الخ ، لأن الأصل في جواب لما ان يكون فعلا ماضيا . ويظهر من الآية ان الملائكة أخبروه أولا : بأنهم مرسلون إلى قوم لوط ثم ألقوا اليه البشارة ثم جرى بينهم الكلام في خصوص عذاب قوم لوط فأخذ إبراهيم عليه السّلام يجادلهم ليصرف عنهم العذاب فأخبروه بأن القضاء حتم ، والعذاب نازل لا مرد له . والذي ذكره اللّه من مجادلته عليه السّلام الملائكة هو قوله في موضع آخر :
وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ
( العنكبوت / 32 ) . قوله تعالى :
إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ
الحليم هو الذي لا يعاجل العقوبة والانتقام ، والأوّاه كثير التأوه مما يصيبه أو يشاهده من السوء ، والمنيب من الإنابة وهو الرجوع والمراد الرجوع في كل أمر إلى اللّه . والآية مسوقة لتعليل قوله في الآية السابقة :
« يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ »
وفيه مدح بالغ لإبراهيم عليه السّلام وبيان أنه إنما كان يجادل فيهم لأنه كان حليما لا يعاجل نزول العذاب على الظالمين رجاء أن يأخذهم التوفيق فيصلحوا ويستقيموا ، وكان كثير التأثر من ضلال الناس وحلول الهلاك بهم مراجعا إلى اللّه في نجاتهم . لا أنه عليه السّلام كان يكره عذاب الظالمين وينتصر لهم بما هم ظالمون وحاشاه عن ذلك . قوله تعالى :
يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ
هذا حكاية قول الملائكة لإبراهيم عليه السّلام وبذلك قطعوا عليه جداله فانقطع حيث علم أن الإلحاح في صرف العذاب عنهم لن يثمر ثمرا فإن القضاء حتم والعذاب واقع لا محالة . فقولهم :
« يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا »
أي انصرف عن هذا الجدال ولا تطمع في نجاتهم فإنه طمع فيما لا مطمع فيه .