تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زاد المسير في علم التفسير — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
كذبوا رسلهم ( ثم نتبعهم الآخرين ) والقراء على رفع العين في " نتبعهم " ، وقد قرأ قوم منهم أبو حيوة بإسكان العين . قال الفراء : " نتبعهم " مرفوعة . ويدل على ذلك قراءة ابن مسعود " وسنتبعهم الآخرين " . ولو جزمت على معنى : ألم نقدر على إهلاك الأولين واتباعهم الآخرين كان وجها جيدا . وقال الزجاج : الجزم عطف على " نهلك " ، ويكون المعنى : لمن أهلك أولا وآخرا . والرفع على معنى : ثم نتبع الأول والآخر من كل مجرم . وقال مقاتل : ثم نتبعهم الآخرين : يعني : كفار مكة حين كذبوا بالنبي [ صلى الله عليه وسلم ] ، وقال ابن جرير : الأولون : قوم نوح ، وعاد ، وثمود ، والآخرون : قوم إبراهيم ، ولوط ، ومدين . قوله [ عز وجل ] : ( كذلك ) أي : مثل ذلك ( نفعل بالمجرمين ) يعني : المكذبين . فإن قيل : ما الفائدة في تكرار قوله [ عز وجل ] : ( ويل يومئذ للمكذبين ) ؟ فالجواب : أنه أراد بكل آية منها غير ما أراد بالأخرى ، لأنه كلما ذكر شيئا قال : ( ويل يومئذ للمكذبين ) بهذا . قوله [ عز وجل ] : ( ألم نخلقكم ) قرأ قالون عن نافع بإظهار القاف . وقرأ الباقون بإدغامها . قوله [ عز وجل ] : ( من ماء مهين ) أي : ضعيف ( فجعلناه في قرار مكين ) يعني : الرحم ( إلى قدر معلوم ) وهو مدة الحمل ( فقدرنا ) قرأ أهل المدينة ، والكسائي " فقدرنا " بالتشديد . وقرأ الباقون : بالتخفيف . [ وهل بينهما فرق ] فيه قولان : أحدهما : أنهما لغتان بمعنى واحد . قال الفراء : تقول العرب : قدر عليه ، وقدر عليه . وقد احتج من قرأ بالتخفيف فقال : لو كانت مشددة لقال : فنعم القادرون ، فأجاب الفراء فقال : قد تجمع العرب بين المعنيين ، كقوله تعالى : ( فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ) . قال الشاعر : وأنكرتني وما كان الذي نكرت * من الحوادث إلا الشيب والصلعا يقول : ما أنكرت إلا ما يكون في الناس .
زاد المسير في علم التفسير — صفحة 156 | ابن الجوزي / محمد بن عبد الرحمن عبد الله