تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زاد المسير في علم التفسير — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
دونه ملتحدا ) وقد بيناه في الكهف قوله ( إلا بلاغا من الله ) فيه وجهان ، ذكرهما الفراء . أحدهما : أنه استثناء من قوله [ عز وجل ] : ( لا أملك لكم ضرا ولا رشدا إلا أن أبلغكم ) . والثاني : لن يجيرني من الله أحد إن لم أبلغ رسالته . وبالأول قال ابن السائب . وبالثاني قال مقاتل . وقال بعضهم : المعنى : لن يجيرني من عذاب الله إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت به ، فذلك البلاغ هو الذي يجيرني ( ومن يعص الله ورسوله ) بترك الإيمان والتوحيد . قوله [ عز وجل ] : ( حتى إذا رأوا ) يعني : الكفار ( ما يوعدون ) من العذاب في الدنيا ، وهو القتل ، وفي الآخرة ( فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا ) أي : جندا ونصيرا ، أم أهم المؤمنون ؟ ( قل إن أدري ) أي : ما أدري ( أقريب ما توعدون ) من العذاب ( أم يجعل له ربي أمدا ) أي : غاية وبعدا . وذلك لأن علم الغيب لله وحده ( فلا يظهر ) أي : فلا يطلع على غيبه الذي يعلمه أحدا من الناس ( إلا من ارتضى من رسول ) لأن من الدليل على صدق الرسل إخبارهم بالغيب . والمعنى : أن من ارتضاه للرسالة أطلعه على ما شاء من غيبه . وفي هذا دليل على أن من زعم أن النجوم تدله على الغيب فهو كافر . ثم ذكر أنه يحفظ ذلك الذي يطلع عليه الرسول فقال [ عز وجل ] : ( فإنه يسلك من بين يديه ) أي : من بين يدي الرسول ( ومن خلفه رصدا ) أي : يجعل له حفظة من الملائكة يحفظون الوحي من أن يسترقه الشياطين ، فتلقيه إلى الكهنة ، فيتكلمون به قبل أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم الناس . وقال الزجاج يسلك من بين يدي الوحي . والرصد من الملائكة يدفعون الشياطين عن أن تستمع ما نزل من الوحي . قوله [ عز وجل ] : ( ليعلم ) فيه خمسة أقوال . أحدها : ليعلم محمد [ صلى الله عليه وسلم ] أن جبرائيل قد بلغ إلي ، قاله ابن جبير والثاني : ليعلم محمد [ صلى الله عليه وسلم ] أن الرسل قبله ( قد أبلغوا رسالات ربهم ) وأن الله قد حفظها فدفع عنها ، قاله قتادة . والثالث : ليعلم مكذبو الرسل أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم ، قاله مجاهد . والرابع : ليعلم الله عز وجل ذلك موجودا ظاهرا يجب به الثواب ، فهو كقوله [ عز وجل ] : ( ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ) قاله ابن قتيبة . والخامس : ليعلم النبي أن الرسل قد أتته ، ولم تصل إلى غيره ، ذكره الزجاج . وقرأ رويس عن يعقوب " ليعلم " بضم الياء على ما لم يسم فاعله . وقال ابن قتيبة : ويقرأ " لتعلم " بالتاء ، يريد : لتعلم الجن أن الرسل قد بلغت عن إلههم بما رجوا من استراق السمع قوله ( وأحاط بما لديهم ) أي : علم الله ما عند الرسل ( وأحصى كل شئ عددا ) فلم يفته شئ حتى الذر والخردل .
زاد المسير في علم التفسير — صفحة 110 | ابن الجوزي / محمد بن عبد الرحمن عبد الله