والثاني : أنه ندى الطهور وثرى الأرض ، قاله سعيد بن جبير ، وقال أبو العالية : لأنهم يسجدون
على التراب لا على الأثواب . وقال الأوزاعي : بلغني أنه ما حملت جباههم من الأرض .
والثالث : أنه السهوم ، فإذا سهم وجه الرجل من الليل أصبح مصفارا . قال الحسن البصري :
" سيماهم في وجوههم " : الصفرة ، وقال سعيد بن جبير : أثر السهر ، وقال شمر بن عطية : هو تهيج
في الوجه من سهر الليل .
والقول الثاني : أنها في الآخرة . ثم فيه قولان :
أحدهما : أن مواضع السجود من وجوههم يكون أشد وجوههم بياضا يوم القيامة ، قاله عطية
العوفي ، وإلى نحو هذا ذهب الحسن ، والزهري . وروى العوفي عن ابن عباس قال : صلاتهم تبدو
في وجوههم يوم القيامة .
والثاني : أنهم يبعثون غرا محجلين من أثر الطهور ، ذكره الزجاج .
قوله تعالى : ( ذلك مثلهم ) أي : صفتهم ، والمعنى أن صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ( في
التوراة ) هذا . فأما قوله : ( ومثلهم في الإنجيل ) ففيه ثلاثة أقوال :
أحدها : أن هذا المثل المذكور أنه في التوراة هو مثلهم في الإنجيل . قال مجاهد : مثلهم في
التوراة والإنجيل واحد .
والثاني : أن المتقدم مثلهم في التوراة . فأما مثلهم في الإنجيل فهو قوله : ( كزرع ) ، وهذا
قول الضحاك ، وابن زيد .
والثالث : أن مثلهم في التوراة والإنجيل كزرع ، ذكر هذه الأقوال أبو سليمان الدمشقي .
قوله تعالى : ( أخرج شطأه ) وقرأ ابن كثير ، وابن عامر : " شطأه " بفتح الطاء والهمزة . وقرأ
نافع ، وعاصم ، وأبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي : " شطأة " بسكون الطاء . وكلهم يقرا بهمزة
مفتوحة . وقرأ أبي بن كعب ، أبو العالية ، وابن أبي عبلة : " شطاءه " بفتح الطاء وبالمد والهمزة
وبألف . قال أبو عبيدة : أي : فراخه يقال : أشطأ الزرع فهو مشطىء : إذا أفرخ ( فآزره ) أي : ساواه
وصار مثل الأم . وقرأ ابن عامر : " فأزره " مقصورة الهمزة مثل فعله . وقال ابن قتيبة : آزره : أعانه
وقواه ( فاستغلظ ) أي : غلظ ( فاستوى على سوقه ) وهي جمع " ساق " ، وهذا مثل ضربه الله عز
وجل للنبي صلى الله عليه وسلم إذ خرج وحده ، فأيده بأصحابه ، كما قوى الطاقة من الزرع بما نبت منها حتى كبرت
وغلظت واستحكمت . وقرأ ابن كثير : " على سؤقه " مهموزة ، والباقون : بلا همزة . وقال قتادة : في
الإنجيل : سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع ، وفيمن أريد بهذا المثل قولان :
أحدهما : أن أصل الزرع : عبد المطلب " أخرج شطأه " أخرج محمدا صلى الله عليه وسلم ( فآزره ) : بأبي
زاد المسير في علم التفسير — صفحة 174
مساهمون: ابن الجوزي
ص١٧٤