تراني في الدنيا . وقال غيره : هذا جواب لقول موسى : " أرني " ، ولم يرد : أرني في الآخرة ، وإنما
أراد في الدنيا ، فأجيب عما سأل . وقال بعضهم : لن تراني بسؤالك . وفي هذه الآية دلالة على جواز
الرؤية ، لأن موسى مع علمه بالله تعالى ، سألها ، ولو كانت مما يستحيل لما جاز لموسى أن يسألها ،
ولا يجوز أن يجهل موسى مثل ذلك ، لأن معرفة الأنبياء لله ليس فيها نقص ، ولأن الله تعالى لم ينكر
عليه المسألة وإنما منعه من الرؤية ، ولو استحالت عليه لقال : " لا أرى " ، ألا ترى أن نوحا لما قال :
( إن ابني من أهلي ) أنكر عليه بقوله : ( إنه ليس من أهلك ) ، ومما يدل على جواز الرؤية أنه
علقها باستقرار الجبل ، وذلك جائز غير مستحيل ، فدل على أنها جائزة ، ألا ترى أن دخول الكفار
الجنة لما استحال علقه بمستحيل فقال : ( حتى يلج الجمل في سم الخياط ) .
قوله تعالى : ( فإن استقر مكانه ) أي : ثبت ولم يتضعضع .
قوله تعالى : ( فلما تجلى ربه ) قال الزجاج : ظهر ، وبان . ( جعله دكا ) قرأ ابن كثير ، ونافع ،
وأبو عمرو ، وابن عامر : " دكا " منونة مقصورة هاهنا وفي ( الكهف ) . وقرأ عاصم : " دكا " ها هنا منونة
مقصورة ، وفي ( الكهف ) : " دكاء " ممدودة غير منونة . وقرأ حمزة ، والكسائي : " دكاء " ممدودة غير
منونة في الموضعين . قال أبو عبيدة : " جعله دكا " أي : مندكا والمندك : المستوي ، والمعنى : مستويا
مع وجه الأرض ، يقال : ناقة دكاء ، أي : ذاهبة السنام مستو ظهرها . قال ابن قتيبة : كأن سنامها دك ،
أي : التصق ، قال : ويقال : إن أصل دككت : دققت فأبدلت القاف كافا لتقارب المخرجين . وقال أنس بن
مالك في قوله : " جعله دكا " : ساخ الجبل . قال ابن عباس : واسم الجبل : زبير ، وهو أعظم جبل
بمدين ، وإن الجبال تطاولت ليتجلى لها ، وتواضع زبير فتجلى له .
قوله تعالى : ( وخر موسى صعقا ) فيه قولان :
أحدهما : مغشيا عليه ، قاله ابن عباس ، والحسن ، وابن زيد .
والثاني : ميتا ، قاله قتادة ، ومقاتل ، والأول أصح ، لقوله [ تعالى ] : ( فلما أفاق ) وذلك لا يقال
للميت . وقيل : بقي في غشيته يوما وليلة .
قوله تعالى : ( سبحانك تبت إليك ) فيما تاب منه ثلاثة أقوال :
أحدها : سؤاله الرؤية ، قاله ابن عباس ، ومجاهد .
والثاني : الإقدام على المسألة قبل الإذن فيها .
والثالث : اعتقاد جواز رؤيته في الدنيا وفي قوله [ تعالى ] : ( وأنا أول المؤمنين ) قولان :
أحدهما : أنك لن ترى في الدنيا ، رواه أبو صالح عن ابن عباس .
والثاني : أول المؤمنين من بني إسرائيل ، رواه عكرمة عن ابن عباس .
قوله تعالى : ( إني اصطفيتك ) فتح ياء " إني " ابن كثير ، وأبو عمرو . وقرأ ابن كثير ، ونافع
زاد المسير في علم التفسير — صفحة 174
مساهمون: ابن الجوزي
ص١٧٤