ما صنع بي هذا ، حتى وقعت في قلوبهم الضغائن ، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن ، فنزلت
هذه الآية ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس . وقد ذكرنا الخمر والميسر في البقرة وذكرنا في
" النصب " في أول هذه السورة قولين ، وهما اللذان ذكرهما المفسرون في الأنصاب . وذكرنا هناك
" الأزلام " فأما الرجس ، فقال الزجاج : هو اسم لكل ما استقذر من عمل ، يقال : رجس الرجل
يرجس ، ورجس يرجس : إذا عمل عملا قبيحا ، والرجس بفتح الراء : شدة الصوت ، فكأن
الرجس ، العمل الذي يقبح ذكره ، ويرتفع في القبح ، ويقال : رعد رجاس ، إذا كان شديد
الصوت .
قوله تعالى : ( من عمل الشيطان ) قال ابن عباس : من تزيين الشيطان . فإن قيل : كيف
نسب إليه ، وليس من فعله ؟ فالجواب : أن نسبته إليه مجاز ، وإنما نسب إليه ، لأنه هو الداعي
إليه ، المزين له ، ألا ترى أن رجلا لو أغرى رجلا بضرب رجل ، لجاز أن يقال له : هذا من
عملك .
قوله تعالى : ( فاجتنبوه ) قال الزجاج : اتركوه . واشتقاقه في اللغة : كونوا جانبا منه . فإن
قيل : كيف ذكر في هذه الآية أشياء ، ثم قال : فاجتنبوه ؟ فالجواب : أن الهاء عائدة على
الرجس ، والرجس واقع على الخمر ، والميسر ، والأنصاب ، والأزلام ، ورجوع الهاء عليه بمنزلة
رجوعها على الجمع الذي هو واقع عليه ، ومنبئ عنه ، ذكره ابن الأنباري .
إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العدوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن
ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ( 91 ) وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن
توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلغ المبين ( 92 )
قوله تعالى : ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ) أما
" الخمر " فوقوع العداوة والبغضاء فيها على نحو ما ذكرنا في سبب نزول الآية من القتال والمماراة .
وأما الميسر ، فقال قتادة : كان الرجل يقامر على أهله وماله ، فيقمر ويبقى حزينا سليبا ، فينظر إلى
ماله في يد غيره ، فيكسبه ذلك العداوة والبغضاء .
قوله تعالى : ( فهل أنتم منتهون ) فيه قولان :
أحدهما : أنه لفظ استفهام ، ومعناه : الأمر . تقديره : انتهوا . قال الفراء : ردد علي
أعرابي : هل أنت ساكت ، هل أنت ساكت ؟ وهو يريد : اسكت ، اسكت .