تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 692

مساهمون:

ص٦٩٢
ومن إنشائه مقامة ولدها على لسان عصمة وذى الرمة قال : حدثنا عيسى بن هشام قال : بينا نحن في مجتمع لنا ومعنا يومئذ رجل العرب حفظا ورواية عصمة ابن بدر الفزاري ، فأفضى الكلام إلى ذكر من أعرض عن خصمه حلما ، أو أعرض عنه خصمه احتقارا ، حتى ذكر الصّلتان العبدي واللَّعين المنقري ، وما كان من احتقار جرير والفرزدق لهما . فقال عصمة : سأحّدثكم بما شاهدته عيني ، ولا أحدّثكم عن غيرى : بينا أنا أسير في بلاد تميم مرتحلا نجيبة ، وقائدا جنيبة ، عنّ لي راكب على أورق جعد اللَّغام « 1 » ، فاجتاز بي رافعا صوته بالسلام . فقلت : من الراكب الجهير الكلام ، المحيّى بتحيّة الإسلام ؟ فقال : أنا غيلان ابن عقبة . فقلت : مرحبا بالكريم حسبه ، الشهير نسبه ، السائر منطقه . فقال : رحب واديك ، وعزّ ناديك ، فمن أنت ؟ قلت : عصمة بن بدر الفزاري . فقال : حياك اللَّه ، نعم الصديق ، والصاحب والرفيق . وسرنا فلما هجّرنا قال : ألا نغوّر « 2 » يا عصمة فقد صهرتنا الشمس ؟ فقلت : أنت وذاك ، فملنا إلى شجرات ألاء « 3 » كأنهن عذارى متبرّجات ، قد نشرن الغدائر ، وسرحن الضفائر ؛ لأثلات متناوحات ؛ فحططنا رحالنا ، ونلنا من الطعام ، وكان ذو الرمة زهيد الأكل . وزال كلّ منا إلى ظل أثلة يريد القابلة ، واضطجع ذو الرّمة وأردت أن أصنع صنيعه ، فولَّيت ظهري الأرض ، وعيناى لا يملكها غمض ، فنظرت غير بعيد إلى ناقة كوماء ، ضحيت وغبيطها ملقى « 4 » ، وإذا رجل قائم يكلؤها كأنه عسيف أو أسيف « 5 » ، فلهيت عنهما ، وما أنا والسؤال عما
هامش
« 1 » أراد أنه يمتطى جملا ، والأورق : الذي لونه الورقة وهى بياض وسواد ، وجعد اللغام : كثير الزبد ( م ) . « 2 » نغور : نقيل ( م ) . « 3 » الألاء - كسحاب - شجر عظيم الظل ( م ) . « 4 » الكوماء : العظيم سنامها ، وضحيت : أصابتها الشمس بحرها ( م ) . « 5 » العسيف . الأجير ، والأسيف : العبد المملوك ( م )