تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 690

مساهمون:

ص٦٩٠
وتلقاءنا شاب قد جلس غير بعيد ، ينصت وكأنه يفهم ، ويسكت وكأنه لا يعلم ، حتى إذا مال الكلام بنا ميله ، وجرّ الجدل فينا ذيله . قال : أصبتم عذيقه « 1 » ، ووافيتم جذيله ، ولو شئت للفظت [ فأفضت ] ، ولو أردت لسردت ، ولجاءت الحقّ في معرض بيان يسمع الصم ، وينزل العصم . فقلت : يا فاضل ، أدن فقد منّيت ، وهات فقد أثنيت ، فدنا وقال : سلوني أجبكم ، واستمعوا أعجبكم . قلنا : فما تقول في امرئ القيس ؟ قال : هو أول من وقف بالديار وعرصاتها ، واغتدى والطير في وكناتها ، ووصف الخيل بصفاتها ، ولم يقل الشعر كاسبا ، ولم يجد القول راغبا ، ففضل من تفتّق للحيلة لسانه ، وانتجع للرغبة بنانه قلنا : وما تقول في النابغة ؟ قال : ينسب إذا عشق ، ويثلب إذا حنق ، ويمدح إذا رغب ، ويعتذر إذا رهب ، فلا يرمى إلا صائبا . قلنا : فما تقول في طرفة ؟ قال : هو ماء الأشعار وطينتها ، وكنز القوافي ومدينتها ، مات ولم تظهر أسرار دفائنه ؟ ؟ ؟ ، ولم تطلق عتاق خزائنه . قلنا : فما تقول [ في زهير ؟ قال : يذيب الشعر والشعر يذيبه ، ويدعو القول والسّحر يجيبه . قلنا : فما تقول ] في جرير والفرزدق ؟ وأيهما أسبق ؟ قال : جرير أرقّ شعرا ، وأغزر غزرا ، والفرزدق أمتن صخرا ، وأكثر فخرا ، وجرير أوجع هجوا ، وأشرف يوما ، والفرزدق أكثر روما ، وأكثر قوما ، وجرير إذا نسب أشجى ، وإذا ثلب أردى ، وإذا مدح أسنى ، والفرزدق إذا افتخر أجزى ، وإذا وصف أوفى ، وإذا احتقر أزرى . قلنا : فما تقول في المحدثين من الشعراء والمتقدمين منهم ؟ قال : المتقدمون اشرف لفظا ، وأكثر في المعاني حظا ، والمتأخّرون ألطف صنعا ، وأرقّ نسجا .
هامش
« 1 » عذيقه : مصغر عذق - بالكسر - وأصله النخلة بحملها