لا يميز بين خبيث القول وطيّبه ، ولا يفرق بين بكره وثيّبه . هو بارد العبارة ، ثقيل الاستعارة . هو من بين الشعراء منبوذ بالعراء . لم يلبس شعره حلَّة الطلاوة .
له شعر لا يطيب درسه ، ولا يخف سرده ، وخطَّ مضطرب الحروف ، متضاعف التضعيف والتحريف . خطَّ يقذى العين ويشجى الصّدر . خط منحطَّ ، كأنه أرجل البطَّ ، وأنامل السرطان ، على الحيطان . قلمه لا يستجيب بريه ، ومداده لا يساعد جريه . قلمه كالولد العاقّ ، والأخ المشاق ، إذا أدرته استطال ، وإذا قوّمته مال ، وإذا بعثته وقف ، وإذا وقفته انحرف . قلم مائل الشق ، مضطرب المشق ، متفاوت [ البرى ، معدوم الجرى ، محرّف القطَّ . قلم لم يقلَّم ظفره فهو ] يخدش القرطاس ، وينقش الأنقاس « 1 » ، ويأخذ بالأنفاس . قلم لا يبعث إذا بعثته ، ولا يقف إذا وقفته . قد وقف اضطراب [ بريه ، دون استمرار ] جريه ، واقتطع تفاوت قطَّه ، عن تجويد خطه .
[ وصف الكلام ]
ذكر عتبة بن أبي سفيان كلام العرب فقال : إن للعرب كلاما هو أرقّ من الهواء ، وأعذب من الماء ، مرق من أفواههم مروق السهام من قسيّها ، بكلمات مؤتلفات ، إن فسّرت بغيرها عطلت ، وإن بدلت بسواها من الكلام استصعبت ؛ فسهولة ألفاظهم توهمك أنها ممكنة إذا سمعت ، وصعوبتها تعلمك أنها مفقودة إذا طلبت . هم اللطيف فهمهم ، النافع علمهم ، بلغتهم نزل القرآن ، وبها يدرك البيان ، وكلّ نوع من معناه مباين لما سواه ، والناس إلى قولهم يصيرون ، وبهداهم يأتمّون ، أكثر الناس أحلاما ، وأكرمهم أخلاقا .
وكان يقال : خير الكلام المطمع الممتنع .
هامش
« 1 » الأنقاس : جمع نقس - بكسر النون وسكون القاف - وهو المداد ( الحبر ) ( م ) .