تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 792

مساهمون:

ص٧٩٢
فما شككنا أنّه خاصم الولدان ، ففارق الجنان ، وهرب من رضوان ، وعمد إلى السروج فحطَّها ، وإلى الأفراس فحشّها « 1 » ، وإلى الأمكنة ففرشها ، وقد حارت البصائر فيه ، ووقعت الأبصار عليه ، ووتد كل منا شبقا ، وخنث اللفظ ملقا . وقلت : يا فتى ، ما ألطفك في الخدمة ! وأحسنك في الجملة ! فالويل لمن فارقته ، وطوبى لمن رافقته ، فكيف نشكر اللَّه على النعمة بك ؟ ! فقال : ما سترونه أكثر ، أتعجبكم خفّتى في الخدمة ، فكيف لو رأيتموني في الرّفقة ؟ أريكم من حذقى طرفا ، لتزدادوا بي شغفا ؟ فقلنا : هات ، فعمد إلى قوس [ أحدنا ] فأوتره ؛ وفوّق سهما فرماه في السماء ، وأتبعه بآخر فشقّه في الهواء ، وقال : سأريكم نوعا آخر ، ثم عمد إلى كنانتي فأخذها ، وإلى فرسى فعلاه ، ورمى أحدنا بسهم أثبته في صدره ، وآخر طيره من ظهره ، فقلت : ويحك ! ما تصنع ؟ قال : اسكت يا لكع ، واللَّه ليشدنّ كل منكم يد رفيقه ، أو لأغصنه بريقه ، فلم ندر ما نصنع ، وأفراسنا مربوطة ، وسروجنا محطوطة ، وأسلحتنا بعيدة ، وهو راكب ونحن رجّالة ، والقوس في يده يرشق بها الظهور ، ويمشق بها « 2 » البطون والصدور ، وحين رأينا منه الجدّ ، أخذنا « 3 » القدّ ، فشدّ بعضنا بعضا ، وبقيت وحدى لا أجد من بشدّنى ، فقال : اخرج بإهابك « 4 » ، عن ثيابك ، ثم نزل عن فرسه ، وجعل يصفع الواحد منا بعد الآخر ، ويقول : أقمت قضيبك ، فخذ نصيبك ، [ ونزع ثيابه ] وصار إلىّ وعلىّ خفّان جديدان فقال : اخلعهما لا أمّ لك ، فقلت : هذا خفّ لبسته رطبا ، فليس يمكنني خلعه فقال : علىّ نزعه ، ثم دنا لينزع الخف ، ومددت يدي إلى سكَّين فيه
هامش
« 1 » حشها : قدم لها الحشيش ( م ) . « 2 » يمشق : يضرب في سرعة ( م ) . « 3 » القد - بكسر القاف - السير من جلد يربط به الأسير ( م ) . « 4 » الإهاب : الجلد ( م ) .
زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 792 | زكي مبارك / إبراهيم بن علي الحصري القيرواني / محمد محي الدين عبد الحميد