حتى أرزق لقاءه ، وأتعجّب من قعود همّته بحالته ، مع حسن آلته ، وقد ضرب الدهر شؤونه أسدادا « 1 » وهلمّ جرا . إلى أن اتفقت لي حاجة بحمص ، فشحذت إليها الحرص ، في صحبة أفراد كنجوم اللَّيل ، أحلاس « 2 » لظهور الخيل ، فأخذنا الطريق ننتهب مسافته ، ونستأصل شأفته ، ولم نزل نفرى أسنمة النّجاد « 3 » بتلك الجياد ، حتى صرن كالعصىّ ، ورجعن كالقسىّ ، وتاح لنا واد في سفح جبل ، ذي ألاء وأثل ، كالعذارى يسرّحن الضفائر ، وينشرن الغدائر ، فمالت الهاجرة بنا إليها ، فنزلنا نغوّر ونغور ، وربطنا الأفراس بالأمراس ، وملنا مع النّعاس ، فما راعنا إلا صهيل الخيول ، ونظرت إلى فرسى وقد أرهف أذنيه ، وطمح بعينيه ، يجذّ قوى الحبل بمشافره ، ويخدّ خدّ الأرض بحوافره ، ثم اضطربت الخيل ، فأرسلت الأبوال ، وقطَّعت الحبال ، وصار كلّ منا إلى سلاحه ، فإذا الأسد في فروة الموت ، قد طلع من غابه ، منتفجا في إهابه ، كاشرا عن أنيابه ، بطرف قد ملىء صلفا ، وأنف قد حشى أنفا .
وصدر لا يبرحه القلب ، ولا يسكنه الرّعب ، فقلنا : خطب واللَّه ملمّ ، وحادث مهمّ ، وتبادرنا إليه من سرعان الرّفقة فتى :
أخضر الجلدة من بيت العرب
يملأ الدّلو إلى عقد الكرب
بقلب ساقه قدر ، وسيف كله أثر ، فملكته سورة الأسد ، فخانته أرض قدمه ، حتى سقط ليده وفمه ، وتجاوز الأسد مصرعه ، إلى من كان معه ، ودعا الحين أخاه ، إلى مثل ما دعاه ، فسار إليه ، وعقل الرّعب يديه ، فأخذ أرضه وافترس الليث صدره ، ولكن شغلت بعمامتى فمه ، حتى حقنت دمه ، وقام الفتى فوجأ بطنه حتى هلك من خوفه ، والأسد بالوجأة في جوفه ، ونهضنا
هامش
« 1 » في المقامات « ضرب الدهم شؤونه ، بأسداد دونه » ( م )
« 2 » أحلاس لظهور الخيل : يريد أنهم يلازمون ظهورها ، كناية عن شجاعتهم وفروسيتهم ( م )
« 3 » النجاد : جمع نجد ، وهو ما ارتفع من الأرض ، ضد السهل ( م )