تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 791

مساهمون:

ص٧٩١
على أثر الخيل ، فتألفنا منها ما ثبت ، وتركنا ما أفلت ، وعدنا إلى الرفيق لنجهزه .
فلما حثونا الترب فوق رفيقنا جزعنا ولكن أىّ ساعة مجزع
وعدنا إلى الفلاة ، فهبطنا أرضها ، وسرنا حتى إذا ضمرت المزاد ، ونفد الزاد ، أو كاد يدركه النفاد ، ولم نملك الذهاب ولا الرّجوع ، وخفنا القاتلين الظمأ والجوع ، عنّ لنا فارس فصمدنا صمده ، وقصدنا قصده ، ولما بلغنا نزل عن حاذ فرسه ينقش الأرض بشفتيه ، ويلقى التراب بيديه ، وعمدنى من بين الجماعة ، فقبل ركابى ، وتحرّم بثيابى ، ونظرت فإذا وجه يبرق برق العارض المتهلل ، وفرس متى ما ترقّ العين فيه تسهل ، وعارض قد اخضرّ ، وشارب قد طر ، وساعد ملآن ، وقضيب ريّان ، ونجار تركى ، وزى ملكي ، فقلت : ما جاء بك ؟ لا أبالك ! فقال : أبا عبد بعض الملوك ، همّ من قتلى بهمّ ، فهمت على وجهي إلى حيث تراني ، وشهدت شواهد حاله ، على صدق مقاله ، ثم قال : أنا اليوم عبدك ، ومالي مالك ، فقلت : بشرى لك وبك ، أدّاك سيرك إلى فناء رحب ، وعيش رطب ، وهنأتنى الجماعة ، بحسب الاستطاعة ، وجعل ينظر فتقتلنا ألحاظه ، وينطق فتفتننا ألفاظه ، والنفس تناجينى فيه بالمحظور ، والشيطان من وراء الغرور ، فقال : يا سادة ، إنّ في سفح هذا الجبل عينا ، وقد ركبتم فلاة عوراء « 1 » ، فخذوا من هنالك الماء ، فلوينا الأعنة إلى حيث أشار ، وبلغناه وقد صهرت الهاجرة الأبدان ، وركبت الجنادب العيدان « 2 » ، فقال : ألا تقيلون في هذا الظل الرّحب ، على هذا الماء العذب ؟ فقلنا : أنت وذاك ، فنزل عن فرسه ، ونحى منطقته ، وحلّ قرطقته « 3 » ، فما استتر عنا إلا بغلالة [ تنمّ ] على بدنه ،
هامش
« 1 » فلاة عوراء : صحراء ليس بها ماء ( م ) . « 2 » ركبت الجنادب العيدان : كناية عن اشتداد الحر ( م ) « 3 » القرطق : ضرب من الكساء ( م )