تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 547

مساهمون:

ص٥٤٧
قلبي بودّه مغمور ، وضميري على مصافاته مقصور ، فاعتداده لفضائله التي أصبح فيها أو حدىّ العنان ، وزاحم فيها منكب العنان « 1 » ، واستأثر فيها بالغرر والاوضاح ، ما أوفى بها على غرّة الصباح ، حتى تشاهدت بها ضمائر القلوب ، وتهادت أنباءها ألسنة البعيد والقريب ، اعتداد من يجمع بالاعتداد لها بين شهادة قلبه ولسانه ، ومن ينظم في إجلال قدرها صفقة إسراره وإعلانه ، فهو يتنسّم الريح إذا هبّت من ناحيته شوقا ونزاعا ، ويستملى الوارد والصادر خبر سلامته انصياعا بالودّ إليه وانقطاعا . شذور من كلامه في أثناء رسائل شتى : أياديه التي غمرتني سجالها ، واتّسع عندي مجالها ، وأعيا شكري عفوها وانثيالها ، تناولت فيها المنى دانية القطوف ، واجتليت أنوار العيش مأمونة الكسوف ، ليس يكاد يبرد غليل شوقى وحنينى ، أو ترجع نافرة انسى وسكوني ، أو تخلو من الاهتمام والفكرة فيه خواطرى وظنونى ، إلا بالتقاء يدنو أمده ، ويقرب موعده ، وتعلو على الفراق يده ، فنعاود العيش طلقا غزيرا ، ونجتنى ثمر المنى غضّا نضيرا ، ونجتلى وجه الزمان مشرقا منيرا . فوائده لها عندي أثر الغمام أو أنفع ، ومحلّ السّماك أو أرفع . حالي في مفارقة حضرته حال بنات الماء قد نضب عنها الغدير ، ونبات الأرض « 2 » أخطأها النّوء المطير . لهفى على دهر الحداثة إذ غصن شبابي غضّ وريق ، ونقل شرابى عضّ وريق . كلام أحلى من ريق النحل ، وأصفى من ريق الوبل . من تسوّد قبل وقته وآلته ، فقد تعرّض لمقته وإذالته . نظمه له :
إن من يلتمس الصّد ر بلا وقت وآله لحقيق أن يلقّى كل مقت وإذاله
الشكل للكتاب ، كالحلى للكعاب . لو كان الشباب فضّة لكان الشيب له خبثا . النعمة عروس مهرها الشكر ، وثوب صونه النّشر . الخضاب تذكرة الشباب . لا تقاس المهاوي بالمراقى ، ولا الأقدام بالتّراقى ، ولا البحور بالسواقى .
هامش
« 1 » العنان بكسر العين : أصله ما تقاد به الدابة ، وبفتح العين : السحاب ( م ) . « 2 » في المطبوعات كلها « وبنات الأرض » ( م ) .
زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 547 | زكي مبارك / إبراهيم بن علي الحصري القيرواني / محمد محي الدين عبد الحميد