تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
أخذ هذا المعنى بعض أصحاب أبي العباس ثعلب فقال يهجو المبرد :
ويوم كتنّور الطَّهاة سجرته على أنه منه أحرّ وأوقد ظللت به عند المبرّد جالسا فمّا زلت في ألفاظه أتبرّد
قال الأصمعي : حجّت أعرابية ومعها ابن لها ، فأصيبت به ، فلما دفن قامت على قبره ، وهي موجعة فقالت : واللَّه يا بنىّ لقد غذوتك رضيعا ، وفقدتك سريعا ، وكأنه لم يكن بين الحالين مدة ألتذّ بعيشك فيها ، فأصبحت بعد النّضارة والغضارة ورونق الحياة والتنسّم في طيب روائحها ، تحت أطباق الثّرى جسدا هامدا ، ورفاتا سحيقا ، وصعيدا جرزا ؛ أي بنى ! لقد سحبت الدنيا عليك أذيال الفناء ، وأسكنتك دار البلى ، ورمتنى بعدك نكبة الرّدى ، أي بنى ! لقد أسفر لي وجه الدنيا عن صباح داج ظلامه . ثم قالت : أي ربّ ومنك العدل ، ومن خلقك الجور ، وهبته لي قرّة عين ، فلم تمتّعنى به كثيرا ، بل سلبتنيه وشيكا ؛ ثم أمرتني بالصبر ، ووعدتني عليه الأجر ، فصدقت وعدك ، ورضيت قضاءك ، فرحم اللَّه من ترحّم على من استودعته الرّدم ، ووسّدته الثّرى ؛ اللهم ارحم غربته ، وآنس وحشته ، واستر عورته ، يوم تكشف الهنات والسّوءات . فلما أرادت الرجوع إلى أهلها وقفت على قبره ، فقالت ! أي بنىّ ! إني قد تزوّدت لسفرى ، فليت شعري ما زادك لبعد طريقك ، ويوم معادك ؟ اللهم إني أسألك له الرضا برضائي عنه . ثم قالت : استودعتك من استود عنيك في أحشائى جنينا ؛ واثكل الوالدات ! ما أمضّ حرارة قلوبهن ، وأقلق مصاجعهنّ ، وأطول ليلهنّ ، وأقصر نهارهن ، وأقلّ أنسهن ، وأشدّ وحشتهنّ ، وأبعدهنّ من السرور ، وأقربهن من الأحزان . لم تزل تقول هذا ونحوه حتى أبكت كلّ من سمعها . وحمدت اللَّه عز وجل واسترجعت وصلت ركعات عند قبره وانطلقت .