إنّى وإن لم ترني فإنّنى
أخوك والرّاعى إذا استرعيتنى
أراك بالودّ وإن لم ترني
قال : فاستخفّنى في ذلك ونسب إلىّ سوء الأدب .
وكان أبو العباس عبد اللَّه بن المعتز في المنصب العالي من الشعر والنثر ، وفي النهاية في إشراق ديباجة البيان ، والغاية من رقّة حاشية اللسان . وكان كما قال ابن المرزبان : إذا انصرف من بديع الشعر إلى رقيق النّثر أتى بحلال السحر ، وليس بعد ذي الرّمة « 1 » أكثر افتنانا وأكبر تصرّفا وإحسانا في التشبيه منه .
وإنما فرقت جملة ما اخترت من شعره ونثره في جملة هذا الكتاب ؛ لئلَّا أخرج عما تقدّم به الشرط في البسط ، وآتى ههنا ببعض ما أختاره له ، قال :
وفتيان سروا والليل داج
وضوء الصبح متّهم الطَّلوع
كأن بزاتهم أمراء جيش
على أكتافهم صدأ الدروع
وقال أيضا :
في ليلة أكل المحاق هلالها
حتى تبدّى مثل وقف العاج « 2 »
والصبح يتلو المشترى فكأنّه
عريان يمشى في الدّجا بسراج « 3 »
وقال أيضا يصف فرسا :
ولقد غدوت على طمرّ سابح
عقدت سنابكه عجاجة قسطل « 4 »
هامش
« 1 » ذو الرمة هو : غيلان بن عقبة ، أحد فحول الشعر في عصره ، قال فيه أبو عمرو ابن العلاء : « فتح الشعر بامرىء القيس وختم بذى الرمة » ولعل ذلك لأنه كان يكثر من التشبيب وبكاء الأطلال ، أو لأن ديباجته كانت بدوية خالصة ، توفى بأصبهان سنة 117
« 2 » وقف العاج : هو القطعة من العاج يمسك بها الثوب كالدبوس ونحوه
« 3 » الدجى : جمع دجية ، وهي الظلمة
« 4 » طمر : حصان سريع الجرى كأنما يهوى من طمار : أي من مكان مرتفع ، وسنابك الجواد : حوافره ، والعجاجة : السحابة ، والقسطل الغبار .