والعادات التي جرى عليها الآباء والأجداد ، أو ابتكرها الجيل الحاضر تشحيذا لعزائم
الشعب في سبيل حفظ استقلالهم ، والخروج عن سيطرة القوى الكبرى عليهم ،
مع كون العمل غير محرم في ذاته ، بل هو اجتماع وإنشاد قصائد وإلقاء خطب
وشرب شاي ولقاء إخوان إلى غير ذلك .
ونمثل لهذا بالشعب الجزائري فإنه مرت عليه أعوام عديدة رزحوا فيها تحت
السيطرة الفرنسية الغاشمة ، تنهب ثرواتهم ، وتدمر ثقافتهم الإسلامية ، ثم منحهم
الله تعالى الاستقلال والحرية بفضل عزائمهم ، وجهادهم وتضحيتهم ، وعادت
إليهم عزتهم وهويتهم ، فلو قرر هذا الشعب أن يحتفل بيوم تحرره هذا كل عام
من دون اقتراف المنكرات واقتراف المعاصي ما كان لأحد أن يلومهم على ذلك
ويذمهم ، بل يمدحهم العقلاء بفطرتهم السليمة .
كما لا يدور في خلد أحد أن هذا الشعب ارتكب بهذا الصنيع بدعة في الدين ،
لأنه لم يقم بهذا لكونه من الدين والشريعة ، وأن النبي أمر بذلك ، بل قام بما قام
من باب حفظ المصالح وتشحيذ عزائم الناس الذي هو في حد نفسه حلال بلا
ريب .
فمن حكم بحرمة هذه التقاليد والآداب والرسوم سواء أكان لها جذور في
الأعوام السابقة أو كانت من محدثات العصر فقد ارتكب خطأ في تحديد البدعة ،
ولم يميزها عن غيرها من المراسيم والآداب .
فهذا ابن تيمية يصف الكثير من الأعمال المباحة التي يقوم بها
في ظل أصول الإسلام — صفحة 48
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٤٨