هذه هي نظرية الموحد ، وأما المادي فيعتقد بأصالة العلل المادية ، واستقلالها في
التأثير ، من غير أن يسندها إلى واجب غني بالذات .
إن الاعتقاد بأن النظام القائم مبني على العلل والأسباب الطبيعية ، مشترك بين
الإلهي والمادي ، وإنما يفترقان في القول بالتبعية والأصالة ، فمن جعل وجودهما
وتأثيرهما تبعا لوجود الله سبحانه وإرادته فهو إلهي موحد ، ومن أضفى عليها
طابع الأصالة وصفة الاستقلال ، فهو مادي منكر لما وراء الطبيعة .
إن قضية عدم استقلال العلل الطبيعية أو استقلالها هو الحد الفاصل بين التوحيد
والشرك ، وبه يتميز الموحد عن المشرك .
فالله سبحانه يصف قوما بالشرك لأنهم إذا واجهوا المشاكل المستعصية ،
توجهوا إلى الله وإذا نجحوا عادوا إلى نسيانه ، ويقول سبحانه : * ( وإذا مس الناس
ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم
يشركون ) * ( 1 ) .
والمراد من الشرك في الآية ليس العودة إلى عبادة الأوثان ، بل المراد أوسع من
ذلك ، فإن الكثيرين وإن كانوا موحدين عادوا بعد انكشاف الضر عنهم إلى
حالتهم الأولى فنسوا الله سبحانه واعتمدوا على الأسباب الطبيعية مضفين عليها
طابع الأصالة وصفة الاستقلال ، ولا شك أن النظر إلى الأسباب العادية من هذه
النافذة ، هو شرك .
هامش
( 1 ) الروم : 33 .