تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة التفاسير — صفحة 560

مساهمون:

ص٥٦٠
ولمّا ذمّ اللَّه سبحانه أعداء الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في سورة تبّت ، ثمّ ذكر التوحيد في سورة « قُلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ » رغما عليهم ، ذكر الاستعاذة منهم في هاتين السورتين ، فقال : * ( بِسْمِ اللَّه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ) * ما يفلق عنه ، أي : يفرّق عنه ، كالفرق . فعل بمعنى مفعول . وهو في الأصل يعمّ جميع الممكنات ، فإنّه تعالى فلق ظلمة العدم بنور الإيجاد عنها ، سيّما ما يخرج من أصل ، كالعيون من الجبال ، والأمطار من السحاب ، والنبات من الأرض ، والأولاد من الأرحام ، والحبّ من النوى ، وغير ذلك . ويختصّ عرفا بالصبح ، فإنّ الليل يفرق عنه . يقال في المثل : هو أبين من فلق الصبح ، ومن فرق الصبح . ولذلك فسّر به . وتخصيصه لما فيه من تغيّر الحال ، وتبدّل وحشته بالليل بسرور النور ، ومحاكاة فاتحة يوم القيامة ، والإشعار بأنّ من قدر أن يزيل به ظلمة الليل عن هذا العالم ، قدر أن يزيل عن العائذ به ما يخافه . ولفظ الربّ هنا أوقع من سائر أسمائه ، لأنّ الإعاذة من مصالح الربوبيّة . وقيل : هو واد في جهنّم ، أوجبّ فيها . وعن بعض الصحابة : أنّه قدم الشام فرأى دور أهل الذمّة ، وما هم فيه من خفض العيش ، وما وسع عليهم من دنياهم ، فقال : لا أبالي ، أليس من ورائهم الفلق ؟ فقيل : وما الفلق ؟ قال : بيت في جهنّم إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدّة حرّه . * ( مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ ) * من شرّ خلقه . وشرّهم : ما يفعله المكلَّفون ، من المعاصي والمآثم . ومضارّة بعضهم بعضا ، من ظلم وبغي وقتل وضرب وشتم ، وغير ذلك . وما يفعله غير المكلَّفين منه ، من الأكل والنهش « 1 » واللدغ والعضّ الصادرة من السباع والحشرات . وغير ذلك من أنواع الضرر ، كالإحراق بالنار ، والإغراق بالماء ، والقتل بالسمّ ، والهدم ، والسقوط من المواضع المرتفعة . وخصّ عالم الخلق بالاستعاذة عنه
هامش
( 1 ) نهشه : تناوله بفمه ليعضّه ، فيؤثّر فيه ولا يجرحه .