تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة التفاسير — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
حيّا لينفعه ، وبتفضّله عليه بذلك ، حتّى يطمع - بعد ما مكّنه وكلَّفه ، فعصى وكفر النعمة المتفضّل بها - أن يتفضّل عليه بالثواب وطرح العقاب ، اغترارا بالتفضّل الأوّل ، فإنّه منكر خارج من حدّ الحكمة . ولهذا قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لمّا تلاها : « غرّه جهله » . وقال الحسن : غرّه واللَّه شيطانه الخبيث ، أي : زيّن له المعاصي ، وقال له : افعل ما شئت ، فربّك الكريم الَّذي تفضّل عليك بما تفضّل به أوّلا ، وهو متفضّل عليك آخرا ، حتّى ورّطه . وقيل للفضيل بن عياض : إن أقامك اللَّه يوم القيامة وقال لك : « ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ » ماذا تقول ؟ قال : أقول : غرّتني ستورك المرخاة . وعن أمير المؤمنين عليه السّلام : « كم مغرور بالستر عليه ، ومستدرج بالإحسان إليه » . وقال يحيى بن معاذ : لو أقامني اللَّه بين يديه فقال : ما غرّك بي ؟ قلت : غرّني بك برّك بي سابقا وآنفا . وعن بعضهم قال : غرّني حلمك . وعن أبي بكر الورّاق : غرّني كرم الكريم . وهذه الأقوال على سبيل الاعتراف بالخطإ في الاغترار بالستر . وليس باعتذار كما يظنّه الطمّاع ، ويظنّ به قصّاص الحشويّة ، ويروون عن شيوخهم إنّما قال : « بربّك الكريم » دون سائر صفاته ، ليلقّن عبده الجواب حتّى يقول : غرّني كرم الكريم . ثمّ ذكر سبحانه صفة ثانية لذاته ، مقرّرة لربوبيّته ، مبيّنة لكرمه الَّذي يقتضي امتثال أمره ونهيه ، فقال : * ( الَّذِي خَلَقَكَ ) * من نطفة ، ولم تك شيئا * ( فَسَوَّاكَ ) * فجعلك سويّا سالم الأعضاء لتكون معدّة لمنافعها * ( فَعَدَلَكَ ) * فصيّرك معتدلا متناسب الأعضاء من غير