تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة التفاسير — صفحة 442

مساهمون:

ص٤٤٢
مناقعه « 1 » ، ويسلك بعضه في عروق الأرض إلى العيون والقنيّ والآبار . وبالفلزّ الَّذي ينتفع به في صوغ الحليّ ، واتّخاذ الأمتعة المختلفة ، ويدوم ذلك مدّة متطاولة . ومثّل الباطل في قلَّة نفعه وسرعة زواله بزبدهما . وبيّن ذلك بقوله : * ( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً ) * يجفأ به ، أي : يرمي به السيل أو الفلزّ المذاب . وانتصابه على الحال . * ( وأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ ) * كالماء الصافي وخلاصة الفلزّ * ( فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ) * ينتفع به أهلها * ( كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّه الأَمْثالَ ) * لإيضاح المشتبهات . * ( لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا ) * للمؤمنين الَّذين استجابوا * ( لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى ) * أي : الاستجابة الحسنى * ( والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَه ) * وهم الكفرة . واللام متعلَّقة ب‍ « يضرب » ، على أنّه جعل ضرب المثل لشأن الفريقين ضرب المثل لهما . قال قتادة : هذه ثلاثة أمثال ضربها اللَّه تعالى في مثل واحد . شبّه نزول القرآن بالماء الَّذي ينزل من السماء ، وشبّه القلوب بالأودية والأنهار . فمن استقصى في تدبّره وتفكّر في معانيه أخذ حظَّا عظيما منه ، كالنهر الكبير الَّذي يأخذ الماء الكثير . ومن رضي بما أدّاه إلى التصديق بالحقّ على الجملة ، كان أقلّ حظَّا منه ، كالنهر الصغير . فهذا مثل واحد . ثمّ شبّه الخطرات ووساوس الشيطان بالزبد يعلو على الماء ، وذلك من خبث التربة لا عين الماء . وكذلك ما يقع في النفس من الشكوك فمن ذاتها لا من ذات الحقّ . فكما يذهب الزبد باطلا ويبقى صفوة الماء ، كذلك يذهب مخائل الشكّ هباء باطلا ويبقى الحقّ . فهذا مثل ثان . والمثل الثالث قوله : « ومِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْه فِي النَّارِ » إلى آخره . فالكفر مثل هذا الخبث الَّذي لا ينتفع به ، والإيمان مثل الماء الصافي الَّذي ينتفع به .
هامش
( 1 ) المناقع جمع المنقع ، وهو الموضع يستنقع - أي : يجتمع - فيه الماء .