تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة التفاسير — صفحة 592

مساهمون:

ص٥٩٢
الرؤية منافية لصفاته . وإنّما لم يقل موسى : أرهم ينظروا ، لأنّ اللَّه سبحانه إنّما كلَّم موسى وهم يسمعون ، فلمّا سمعوا كلام ربّ العزّة أرادوا أن يري موسى ذاته فيبصروه معه ، كما أسمعه كلامه فسمعوه منه ، إرادة مبنيّة على قياس فاسد ، فلذلك قال موسى : « أرني أنظر إليك » . ولأنّه إذا زجر عمّا طلب ، وأنكر عليه في نبوّته واختصاصه وزلفته عند اللَّه ، وقيل له : لن تراني ، كان غيره أولى بالإنكار . ولأنّ الرسول إمام أمّته ، فكان ما يخاطب به راجعا إليهم . وقوله : « أنظر إليك » وما فيه من معنى المقابلة الَّتي هي محض التشبيه والتجسيم ، دليل على أنّه ترجمة عن مقترحهم وحكاية لقولهم . وكيف طلب موسى ذلك لنفسه وهو أعلم الناس باللَّه وصفاته ، وما يجوز عليه وما لا يجوز ، وبتعاليه عن الرؤية الَّتي هي إدراك ببعض الحواسّ ؟ ! وذلك إنّما يصحّ فيما كان في جهة ، وما ليس بجسم ولا عرض فمحال أن يكون في جهة . وجلّ صاحب الجبل أن يجعل اللَّه منظورا إليه ، مقابلا بحاسّة النظر ، فكيف بمن هو أعرق في معرفة اللَّه ؟ ! وإنّما قال : « لن تراني » ولم يقل كما قال موسى ، لأنّه لمّا كان « أرني » بمعنى : اجعلني متمكّنا من الرؤية الَّتي هي الإدراك ، علم أنّ الطلب هو الرؤية ، لا النظر الَّذي لا إدراك معه ، فقيل : لن تراني ، ولم يقل : لن تنظر إليّ . وقوله : * ( ولكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ ) * استدراك يريد أن يبيّن به أنّه لا يطيقه . والمعنى : أنّ النظر إليّ محال فلا تطلبه ، ولكن عليك أن تنظر إلى الجبل كيف أفعل به ؟ وكيف أجعله دكّا بسبب طلبك الرؤية ؟ لتستعظم ما أقدمت عليه بما أريك من عظم أثره . كأنّه عزّ وجلّ حقّق عند طلب الرؤية ما مثله عند نسبة الولد إليه في قوله : * ( وتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً ) * . * ( فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَه ) * كما كان مستقرّا ثابتا * ( فَسَوْفَ تَرانِي ) * تعليق لوجود الرؤية بوجود ما لا يكون ، من استقرار الجبل مكانه حين يدكّه دكّا ويسوّيه بالأرض .
زبدة التفاسير — صفحة 592 | الملا فتح الله الكاشاني / مؤسسة المعارف الإسلامية