تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة التفاسير — صفحة 591

مساهمون:

ص٥٩١
القيام بأمر الأمّة من حيث كان نبيّا لما احتاج فيه إلى استخلاف موسى إيّاه وإقامته مقامه . ثمّ ذكر سبحانه حديث الميقات ، فقال : * ( ولَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا ) * لوقتنا الَّذي وقّتناه وحدّدناه . واللام للاختصاص ، فكأنّه قيل : اختصّ مجيئه لميقاتنا ، كما تقول : أتيته لخمس خلون من الشهر . * ( وكَلَّمَه رَبُّه ) * من غير واسطة ، كما يكلَّم الملائكة . وتكليمه أن ينشئ الكلام منطوقا في بعض الأجرام ، كما خلقه مخطوطا في اللوح ، لأنّ الكلام عرض لا بدّ له من محلّ يقوم به . وروي : أنّه عليه السّلام كان يسمع ذلك الكلام من كلّ جهة . وعن ابن عبّاس : كلَّمه أربعين يوما ، وأربعين ليلة . * ( قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ) * المفعول الثاني محذوف ، يعني : أرني نفسك أنظر إليك ، أي : اجعلني متمكّنا من رؤيتك ، بأن تتجلَّى لي فأنظر إليك وأراك . وإنّما طلب الرؤية لقومه حين قالوا : * ( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّه جَهْرَةً ) * « 1 » ، ولذلك دعاهم سفهاء وضلَّالا ، وقال لمّا أخذتهم الرجفة : * ( أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا ) * « 2 » . ولم يسأل ذلك إلَّا بعد أن أنكر عليهم ونبّههم على الحقّ ، فلجّوا وتمادوا في لجاجهم ، فأراد أن يسمعوا النصّ من عند اللَّه باستحالة الرؤية ، وهو قوله : * ( قالَ لَنْ تَرانِي ) * ليتيقّنوا وتزول شبهتهم . ومعنى « لن » تأكيد النفي الَّذي يعطيه « لا » ، وذلك أنّ « لا » ينفي المستقبل ، تقول : لا أفعل غدا ، فإذا أكّدت النفي قلت : لن افعل غدا . والأصحّ أنّ « لن » ينفي مدخوله على وجه التأبيد ، كما قال : * ( لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً ولَوِ اجْتَمَعُوا لَه ) * « 3 » . فقوله : * ( لا تُدْرِكُه الأَبْصارُ ) * « 4 » نفي للرؤية فيما يستقبل . وقوله : « لن تراني » تأكيد وبيان أنّ
هامش
( 1 ) البقرة : 55 . ( 2 ) الأعراف : 155 . ( 3 ) الحجّ : 73 . ( 4 ) الأنعام : 103 .