تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة التفاسير — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
لأجلكم وانتفاعكم به في دنياكم * ( ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ) * بأن تتمتّعوا منه بفنون المطاعم والمناكح والمراكب والمناظر البهجة ، وفي دينكم بأن تنظروا فيه وما يتضمّنه من عجائب الصّنع الدالَّة على الصانع القادر الحكيم . فالنعمة الأولى خلقهم أحياء قادرين مرّة بعد أخرى ، وهذه خلق ما يتوقّف عليه بقاؤهم ويتمّ به معاشهم . وفي هذا دلالة على أنّ أصل الأشياء الإباحة إلى أن يمنع الشرع بالنهي ، وجاز لكلّ أحد أن يتناولها ويستنفع بها . و « جميعا » نصب على الحال من قوله : * ( ما فِي الأَرْضِ ) * . * ( ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ ) * أي : قصد إليها بإرادته بعد خلق ما في الأرض ، من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر ، من قولهم : استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصدا مستويا ، من غير أن يلوي على شيء . وأصل الاستواء طلب السواء ، وإطلاقه على الاعتدال والاستقامة والانتصاب ، لما فيه من تسوية وضع الأجزاء . ولا يمكن حمله عليه ، لأنّه من خواصّ الأجسام ، فإنّه تعالى منزّه عن الانتصاب . وضدّه وهو الاعوجاج . فيكون بمعنى : قصد إليها بإرادته . وقيل : * ( اسْتَوى ) * أي : استولى وملك . والأوّل أوفق للأصل ، والصلة المعدّي بها ، والتسوية المترتّبة عليه بالفاء . والمراد بالسماء هذه الأجرام العلويّة ، أو جهات العلوّ . و « ثمّ » لتفاوت ما بين الخلقين ، وفضل خلق السماء على خلق الأرض ، كقوله : * ( ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ) * « 1 » ، وكما تقول لصاحبك : أليس قد أعطيتك ثمّ رفعت منزلتك ؟ لا للتراخي في الوقت ، فإنّه يخالف ظاهر قوله تعالى : * ( والأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ) * « 2 » ، فإنّه يدلّ على تأخّر دحو الأرض - المتقدّم على خلق ما فيها -
هامش
( 1 ) البلد : 17 . ( 2 ) النازعات : 30 .