وتغلب أحد ملوك الكنعانين على الشام وامتنع أهله ان يحملوا الضريبة إلى
ملك مصر ، وأقبل على ملازمة الهياكل والتعبد فيها ، فأعظم الناس أمره
فتجبر في نفسه ، وأمر الناس أن يسموه ربا ، وترفع ان ينظر في شئ من
أمر المملكة ، فجمع الناس وقال لهم قد رأيت أن أجعل امر الملك إلى ابني
اقسامس وأكون من ورائه إلى أن يغيب شخصي عنكم كما وعدت ، فرضوا
ذلك ، وقالوا الامر أمر الملك ونحن عبيده ، ومن رضيته الآلهة فحكم الخلق
أن يرضوه ولا يخالفوه .
فأقام ابنه أقسامس ( 1 ) الملك ، وجلس أقسامس على سرير الملك ، وتوج
بتاج أبيه وأقام الناظرون ( 2 ) بين يديه ورتب الناس مراتبهم ، وقسم الكور
والأعمال ، نوأمر بأبساط العمارات ، وأوسع على الناس في أرزاقهم ، وعلا
أمره وطال ملكه ، وعمل مدنا كثيرة أسفل الأرض وعجائب كثيرة يطول
ذكرها ، ويقال إن بخت نصر لما ظفر بمصر أخذ من عمله عجائب كثيرة ،
فأقام أول ولايته سبع سنين بأجمل أمر وأصلح حال .
ومات وزير أبيه فاستخلف رجل من أهل بيت المملكة ، يقال له طلما ( 3 )
هامش
( 1 ) في ق : كاشيم .
( 2 ) لعل الصواب وأقام القاطرون ، وقد تقدم معنى ذلك في صدر الكتاب .
( 3 ) في ق : ظلما ، وقد جاء فيه زيادة لا بأس من ايرادها ههنا وهي " وكان يقال له ظلما ، وكان
شجاعا كاهنا حكيما متصرفا في كل فن ، وكانت نفسه تنازعه الملك ، قيل هو من ولد اشمون
وقيل من ولد صاو ، وقيل من العمالقة . وكان يقوم بأمر البلد كما كان العزيز مع الوليد .
وقيل سبب استخلافه الملك أنه كان عطارا بأصبهان فأفلس وركبه الدين فخرج هاربا من
الدين واتى الشام فلم يستقم حاله ، فجاء إلى مصر فرأى على باب المدينة حمل بطيخ فسأل عن سعره
فقيل بدرهم ، فدخل المدينة فسأل عن سعره فقيل كل بطيخة بدرهم ، فقال : من هنا أقضي
ديني ! فاشترى حملا بدرهم وأتى المدينة فنهبه البوابون فما بقي منه الا بطيخة واحدة فباعها
بدرهم ، فقال ما هذا ؟ ما هنا أحد ينظر في مصالح الناس ؟ فقالوا : ملكنا مشغول بلذات نفسه
وفوض الامر إلى الوزير ، ولا ينظر في شئ فخرج فرعون إلى المقابر ، فجعل لا يمكن أحدا
من الدفن الا بخمسة دراهم فأقام على ذلك مدة لم يتعرض له أحد فماتت بنت الملك ، فقال : هاتوا
خمسة دراهم ، فقالوا ويحك هذه بنت الملك ، فقال : هاتوا عشرة درهم ، فلم يزل يضاعفها إلى أن
وصلت إلى مائة درهم ، فأخبروا الملك بحديثه ، قال : ومن هذا ؟ قالوا : عامل الأموات فأرسل
إلى الوزير فسأله عنه ، فأنكر حاله فأحضره الملك وقال : من أنت ؟ فأخبره بخبر البطيخ ، وقال
ما عملت عامل الموتى الا حتى يصل خبري إليك وتحضرني لأنصحك لتستيقظ من نومك ، وتحفظ
ملكك والا ذهب عنك ، فاستوزره فسار في الناس سيرة حسنة ، وفي زمانه شكى القبط إليه
حال الإسرائيليين ، فقال : هم عبيدكم فافعلوا بهم ما بدا لكم . فكان القبطي يضرب الإسرائيلي
فلا يقدر ان يغير عليه أحد ، وان ضرب الإسرائيلي القبطي قتل .
وبنى في زمانه مدنا كثيرة ، وأعلاما ومصانع وطلسمات ، ومن أعجب ما عمل التنور الذي
يشوى فيه بغير نار ، والسكين تنصب فإذا رآها شئ من البهائم أقبل عليها حتى يذبح نفسه بها ،
والماء الذي يستحيل هواء وأشياء من النيرنج .