نعرف أن الكذب ، والرشوة ، والمحسوبية ، واستغلال النفوذ ، وما إلى ذلك من الوسائل
المعروفة ، سوف تحول دون أي امكان للعقاب .
انه لن يفلح شئ في قمع الجرائم غير الدافع المنبعث من داخل قلب الانسان ؟ الضمير ،
الضمير الذي لو دخل إرادة الانسان فلن يسقطه عامل خارجي أيا كان ، وهذه الميزة غير
متاحة الا في عقيدة الآخرة . . فان دافعا قويا يكمن في هذه العقيدة ، ويجعل من اتقاء
الجرائم مصلحة ذاتية لكل انسان . انها مصلحة يهتم بها الجميع ، فالكل رئيسا كان أم
مرؤوسا ، في الظلام كان أو في الضوء ؟ ينطلق يفكر في أنه لا بد من يوم للقاء الله ،
والكل يشعر بأن الله يراه ، وسوف يحاسبه حسابا عسيرا . وهذه الأهمية الكبرى في عقيدة
الآخرة هي التي جعلت القاضي ماتيوهالوس ( Matherwhalos ) ، وهو من كبار قضاة القرن
السابع عشر يقول :
ان القول بان الدين خدعة ، هو بمثابة ابطال لجميع المسؤوليات التي تقع على عاتقنا
لاستقرار النظام الاجتماعي ( 1 ) .
الا ما أهم هذا الجانب من نظرية الآخرة ! ! .
وانا لنستطيع أن ندرك أبعاد هذه النظرية لو تأملنا أن كثيرا من علمائنا الملحدين ،
الذين لا يعتقدون أن الآخرة أمر واقع ، وقد اضطروا ؟ بناء على تجارب التاريخ ؟ إلى
القول بأنه لا يوجد شئ غير الآخرة لمراقبة الانسان ، واخضاعه لسلوك طريق الحق
والعدل في جميع الظروف .
لقد أنكر الفيلسوف الألماني كانت فكرة ( الاله ) ، قائلا : ( انه لا يجد أدلة شافية على
وجوده ) . فهو ينكر الصواب النظري في الدين ، ولكنه ، في نفس الوقت ، يضطر إلى أن يسلم
بالصواب العملي في الدين ، من الناحية الأخلاقية ( 2 ) .
وفولتير أيضا لا يؤمن بحقائق ما وراء الطبيعة ، ولكنه يرى :
أن أهمية الاله والحياة الآخرة عظيمة جدا ، حيث إنهما أساسان لإقامة المبادئ
الأخلاقية . . وهو ( فولتير ) يرى أن هذه العقيدة وحدها كفيلة بايجاد اطار أخلاقي أفضل
للمجتمع . ولو أن هذه العقيدة زالت فلن نجد دافعا للعمل الطيب ، وسيترتب على ذلك
انهيار النظام الاجتماعي ( 3 ) .
هامش
( 1 ) Religion without Revelation , p . 115 .
( 2 ) Story of Philosophy , N . Y . , 1954 , p . 279 .
( 3 ) Windelbamd , History of Philosophy , p . 496 .