وقال أيضا :
( يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ، والله متم نوره ولو كره الكافرون . هو الذي أرسل
رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ، ولو كره المشركون ( 1 ) .
ولم تمض على هذه البشرى أيام طويلة ، حتى وجد المسلمون الجزيرة العربية كلها تحت
أقدامهم ، فقد انتصرت أقلية ضئيلة لا تملك الخيول ولا الأسلحة ، على أعداء يملكون
الجيوش الكبيرة ، والعدة ، والعتاد .
وليس بوسعنا تفسير هذه التنبؤات في ضوء المصطلحات المادية ، إلا أن نسلم بأن صاحب
هذا الاخبار بالغيب لم يأت به من عند نفسه ، وانما كان خليفة عن الله ، فلو أنه كان
انسانا عاديا لاستحال كل الاستحالة أن تصنع كلماته أقدار التاريخ . وكما قال
البروفسور ( ستوبارت ) انه لا يوجد مثال واحد في التاريخ الانساني بأكمله يقارب
شخصية محمد . .
وهو يضيف قائلا :
ألا . . ما أقل ما امتلكه من الوسائل المادية ، وما أعظم ما جاء به من البطولات
النادرة ، ولو أننا درسنا التاريخ من هذه الناحية ، فلن نجد فيه اسما منيرا هذا
النور ، وواضحا هذا الوضوح ، غير اسم النبي العربي ( 2 ) .
ان هذا الأمر هو أعظم دليل على كونه صلى الله عليه وسلم مرسلا من لدن الحق تبارك
وتعالى . وقد اعترف السير وليام ميور ، ذلك العدو اللدود للاسلام ، بهذا الأمر بطريقة
غير مباشرة ، حين قال :
لقد دفن محمد مؤامرات أعدائه في التراث ، وكان يثق بانتصاره ليل نهار ، مع حفنة من
الأنصار والأعوان ، رغم أنه كان مكشوفا عسكريا من كل ناحية ، وبعبارة أخرى : كان يعيش
في عرين الأسد ، ولكنه أظهر عزيمة جبارة ، لا نجد لها نظيرا غير ما ذكر في الإنجيل ، من
أن نبيا قال لله تعالى : لم يبق من قومي الا أنا ( 3 ) ! .
* * *
( ب ) أما النبوءة الثانية التي وردت في القرآن ، فهي الاخبار بغلبة الروم على الفرس .
وقد جاء في أول سورة الروم قوله تعالى :
هامش
( 1 ) الصف / 8 و 9 .
( 2 ) Islam & Its Founder , p . 228 .
( 3 ) Life of Mohammad , p . 228 وربما يذكرنا هذا الاقتباس بقول القرآن حكاية على
لسان موسى عليه السلام : ( رب اني لا أملك الا نفسي وأخي ؟ المائدة / 25 ( المراجع ) .