أولاها : القبائل المشركة ، بعد أن أصبحوا أعداء حياته .
وثانيتها : الرأسمالية اليهودية .
وثالثتها : أولئك المنافقون الذين تسربوا داخل المسلمين للقضاء على حركتهم ، من داخل
معاقلهم .
وكان الرسول يجاهد في سبيل رسالته السامية على كل هذه الجبهات : قوة المشركين ،
والرأسمالية اليهودية ، والطابور الخامس . وقد وقف أمام هذا الطوفان الطاغي وقفات
رائعة لا مثيل لها ، ولم يسانده في مواقفه غير حفنة من المهاجرين والأنصار ، وجماعة
أسلمت من العبيد . ومما لاشك فيه أنه قد انضم اليه بعض كبار قريش ، ولكن سرعان ما
انقطعوا عن أهلهم وذويهم ، وعادتهم قريش كمعاداتها للنبي .
وقد سارت هذه الحركة بمكة قدما ، تكافح وتناضل ، حتى أصبحت الأمور غاية في السوء ،
واضطر النبي وأصحابه أن يهاجروا إلى جهات مختلفة ، حتى اجتمع شملهم في المدينة
المنورة ، وهم في أشد حالات العوز والفقر ، بعدما تركوا ثرواتهم في مكة ؟ موطنهم
الأصلي . ويمكن قياس بؤس هؤلاء المهاجرين بتلك الجماعة التي عاشت في المسجد النبوي ،
حيث لم تكن لديهم بيوت ، وكانوا ينامون على صفة في فناء المسجد النبوي ، فأطلق
عليهم : أهل الصفة . ومما روي في كتب التأريخ أن تعداد هؤلاء الصحابة الكرام ، الذين
عاشوا على الصفة ، بلغ في بعض الأحيان أربعمائة صحابي .
فعن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : رأيت سبعين من أهل الصفة يصلون في ثوب ، فمنهم من
يبلغ ركبتيه ، ومنهم من هو أسفل من ذلك ، فإذا ركع أحدهم قبض عليه ، مخافة أن تبدو
عورته . .
وعنه ( أبي هريرة ) رضي الله عنه أنه قال : لقد رأيتني أصرع بين منبر رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، وبين حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها ، فيقول الناس : انه مجنون ، وما
بي جنون ، ما بي الا الجوع ! .
* * *
وفي هذه الحالة البائسة ، حيث كان المسلمون في أسوأ أحوالهم ، مكشوفين في عراء
المدينة المنورة ، خائفين ، يترقبون الأعداء من كل جانب ، مخافة أن يتخطفوهم في أي
وقت ، في هذه الحالة نجد القرآن يبشرهم مرة بعد أخرى :
( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ( 1 ) .
هامش
( 1 ) المجادلة / 21 .