ولما عرف بأخبار انقلاب الروم ، غضب غضبا شديدا ، وأمر بسجن السفير الرومي ، وأعلن عدم
اعترافه بشرعية حكومة الروم الجديدة .
وأغار كسرى أبرويز على بلاد الروم ، وزحفت جحافله عابرة نهر الفرات إلى الشام . ولم
يتمكن فوكاس من مقاومة جيوش الفرس التي استولت على مدينتي أنطاكية والقدس ،
فاتسعت حدود الإمبراطورية الفارسية فجأة إلى وادي النيل . وكانت بعض الفرق المسيحية ؟
كالنسطورية واليعقوبية ؟ حاقدة على النظام الجديد في روما ، فناصرت الفاتحين الجدد ،
وتبعها اليهود ، مما سهل غلبة الفرس .
* * *
وأرسل بعض أعيان الروم رسالة سرية إلى الحاكم الرومي في المستعمرات الإفريقية ،
يناشدونه انقاذ الأمبراطورية ، فأرسل الحاكم جيشا كبيرا بقيادة ابنه الشاب هرقل ،
فسار بجيشه في الطريق البحرية ، بسرية تامة . . . حتى أن فوكاس لم يدر بمجيئهم الا
عندما شاهد الأساطيل ، وهي تقترب من السواحل الرومانية ، واستطاع هرقل ؟ دون مقاومة
تذكر ؟ أن يستولي على الإمبراطورية ، وقتل فوكاس الخائن .
بيد أن هرقل لم يتمكن ؟ رغم استيلائه على الإمبراطورية ، وقتله فوكاس ؟ من ايقاف
طوفان الفرس . . فضاع من الروم كل ما ملكوا من البلاد في شرقي العاصمة وجنوبها ، لم
يعد العلم الصليبي يرفرف على العراق والشام وفلسطين ومصر وآسيا الصغرى ، بل علتها
راية الفرس : درفش كاوياني ! ! وتقلصت الأمبراطورية الرومانية في عاصمتها ، وسدت جميع
الطرق في حصار اقتصادي قاس ، وعم القحط ، وفشت الأمراض الوبائية ، ولم يبق من
الإمبراطورية غير جذور شجرها العملاق . وكان الشعب في العاصمة خائفا يترقب ضرب الفرس
للعاصمة ، ودخولهم فيها ، وترتب على ذلك أن أغلقت جميع الأسواق ، وكسدت التجارة ،
وتحولت معاهد العلم والثقافة إلى مقابر موحشة مهجورة .
وبدأ عباد النار يستبدون بالرعايا الروم للقضاء على المسيحية . . فبدءوا يسخرون
علانية من الشعائر الدينية المقدسة ، ودمروا الكنائس ، وأراقوا دماء ما يقرب من
000 ، 100 من المسيحيين المسالمين ، وأقاموا بيوت عبادة النار في كل مكان ، وأرغموا
الناس على عبادة الشمس والنار ، واغتصبوا الصليب المقدس وأرسلوه إلى المدائن .
ويقول المؤرخ جبن في المجلد الخامس من كتابه :
ولو كانت نوايا كسرى طيبة في حقيقة الأمر ، لكان اصطلح مع الروم ، بعد قتلهم
فوكاس ، ولاستقبل هرقل كخير صديق أخذ بثأر حليفه وصاحب نعمته موريس ، بأحسن
طريقة ، ولكن أبان عن نواياه الحقيقة عندما قرر مواصلة الحرب . ( 1 ) .
هامش
( 1 ) كتاب جبن / مجلد / 5 ص 74 .