إلى بعض الشهور غير المحرّمة الذي بعده ، وانهم انما كانوا يؤخرون الحرمة ولا يبطلونها برفعها من أصلها لإرادتهم بذلك ان يتحفظوا على سنّة قومية ورثوها عن اسلافهم عن إبراهيم عليه السّلام .
فكانوا لا يتركون أصل التحريم لغى وإنما يؤخرونه إلى غير الشهر سنة أو أزيد ليواطئوا عدّة ما حرّم اللّه ، وهي الأربعة ثم يعودون ويعيدون الحرمة إلى مكانها الأول .
وهذا نوع تصرف في الحكم الإلهي بعد كفرهم باللّه باتخاذ الأوثان شركاء له تعالى وتقدّس ، ولذا عدّه اللّه سبحانه في كلامه زيادة في الكفر .
وقد ذكر اللّه سبحانه من الحكم الخاص بحرمة الأشهر الحرم النهي عن ظلم الأنفس حيث قال :
« فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ »
واظهر مصاديقه القتال كما أن المصداق الوحيد الذي استفتوا فيه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم فحكاه اللّه سبحانه بقوله :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ
الآية ( البقرة / 217 ) ؛ وكذا ما في معناه من قوله :
لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ
( المائدة / 2 ) وقوله :
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ
( المائدة / 97 ) .
وكذلك الأثر الظاهر من حرمة البيت أو الحرم هو جعل الامن فيه كما قال :
وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً
( آل عمران / 97 ) وقال :
أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً
( القصص / 57 ) .
فالظاهر أن النسيء الذي تذكره الآية عنهم إنما هو تأخير حرمة الشهر الحرام للتوسّل بذلك إلى قتال فيه لا لتأخير الحج الذي هو عبادة دينية مختصة ببعضها .
وهذا كله يؤيد ما ذكروه : أن العرب كانت تحرّم هذه الأشهر الحرم ، وكان ذلك مما تمسّكت به من ملة إبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام ، وهم كانوا أصحاب غارات وحروب فربما كان يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة اشهر متوالية لا يغزون فيها فكانوا يؤخرون تحريم المحرّم إلى صفر فيحرّمونه ويستحلون المحرم فيمكثون بذلك زمانا ثم يعود التحريم إلى المحرّم ، ولا يفعلون ذلك اي إنساء