كثير من المفسرين - إذ لا معني لقولنا : اذكر ربك كذا لأن الملائكة يذكرونه كذلك بل مطلق المقربين عنده تعالى على ما يفيده لفظ
« عِنْدَ رَبِّكَ »
من الحضور من غير غيبة .
ويظهر من الآية أن القرب من اللّه إنما هو بذكره ، فبه يرتفع الحجاب بينه وبين عبده ، وإلا فجميع الأشياء متساوية في النسبة إليه من غير اختلاف بينها بقرب أو بعد أو غير ذلك .
وقوله :
« لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ »
فيه أمور ثلاثة يتصف بها الذكر النفسي كما يتصف بها الذكر القولي فإن للنفس أن تتصف بحال عدم الاستكبار ، وبحال تنزيهه تعالى ، وبحال السجدة وكمال الخشوع له كما يتصف بها الذكر القولي ويعنون بها العمل الخارجي ، فليس التسبيح والسجود مما يختص بالأعضاء من لسان وغيره كما يدل عليه قوله :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
( أسرى / 44 ) ، وقوله :
وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ
( الرحمن / 6 ) ، وقوله :
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
( النحل / 49 ) .
وما في الآية توصيف القوم بعدم الاستكبار والتسبيح والسجود أخف وأهون مما يشتمل عليه قوله تعالى :
وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ
( الأنبياء / 20 ) وقوله :
فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ
( حم السجدة / 38 ) فإن هذه الآيات ظاهرها الاستمرار الذي لا يتخلله عدم ، ولا يتوسطه مناف ، والآية التي نبحث عنها لم يأمر إلا بما لا تثبت معه الغفلة في النفس كما عرفت .
فهذه الآية تأمر بمرتبة من الذكر هي دون ما تتضمنه آيات سورتي الأنبياء وحم السجدة واللّه العالم « 1 » .
هامش
( 1 ) . الأعراف 199 - 206 : بحث روائي في : مكارم الأخلاق ؛ الانصات للقرآن .