تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 627

مساهمون:

ص٦٢٧
الوفاء بعهدهم مع اللّه
« فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ »
. والقصة - كما ترى - يمكن أن يراد بها بيان حال الأبوين من نوع الإنسان في استيلادهما الولد بالاعتبار العام النوعي فإن كل إنسان فإنه مولود أبويه فالكثرة الإنسانية نتيجة أبوين يولدان ولدا كما في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ
( الحجرات / 43 ) . والغالب على حال الأبوين وهما يحبان ولدهما ويشفقان عليه أن ينقطعا طبعا إلى اللّه في أمر ولدهما وإن لم يلتفتا إلى تفصيل انقطاعهما كما ينقطع راكب البحر إلى اللّه سبحانه إذا تلاطمت وأخذت أمواجها تلعب به ينقطع إلى ربه وإن لم يعبد ربا قط فإنما هو حال قلبي يضطر الإنسان إليه . فللأبوين انقطاع إلى ربهما في أمر ولدهما لئن آتيتنا صالحا نرضاه لنكونن من الشاكرين فلما استجاب لهما وآتاهما صالحا جعلا له شركاء وتشبثا في حفظه وتربيته بكل سبب ، ولا ذا إلى كل كهف . ويؤيد هذا الوجه قوله في ذيل الآية :
« فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ »
فإن المراد بالنفس وزوجها في صدر الكلام لو كان شخصين من الإنسان بعينهما كآدم وحواء مثلا كان من حق الكلام أن يقال : فتعالى اللّه عن شركهما أو عما أشركا . على أنه تعالى يعقب هذه الآية بآيات أخر يذم فيها الشرك ويوبخ المشركين بما ظاهره أنه الشرك بمعنى عبادة غير اللّه ، وحاشا أن يكون صفي اللّه آدم يعبد غير اللّه وقد نص اللّه سبحانه على أنه اجتباه وهداه ، ونص على أن لا سبيل للضلال على من هداه اللّه وأي ضلال أضل من عبادة غير اللّه ، قال تعالى :
ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى
( طه / 122 ) ، وقال :
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ
( أسرى / 97 ) ، وقال :
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
( الأحقاف / 5 ) وبذلك يظهر أن الضلال والشرك غير منسوب
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 627 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي