تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 611

مساهمون:

ص٦١١
مقصودة للزراع من وجه ، والمحصول من القمح مقصود من وجه آخر . وقد تعلقت المشية الإلهية أن يخلق من الأرض إنسانا سويا يعبده ويدخل بذلك في رحمته ، واختلاف الاستعدادات المكتسبة من الحياة الدنيوية على ما لها من مختلف التأثيرات لا يدع كل فرد من أفراد هذا النوع أن يجري في مجراه الحقيقي ويسلك سبيل النجاة إلا من وفق له ، وعند ذلك تختلف الغايات وصح أن للّه سبحانه غاية في خلقة الإنسان مثلا وهو أن يشملهم برحمته ويدخلهم جنته ، وصح أن للّه غاية في أهل الخسران والشقاوة من هذا النوع وهو أن يدخلهم النار وقد كان خلقهم للجنة غير أن الغاية الأولى غاية أصلية كمالية ، والغاية الثانية غاية تبعية ضرورية ، والقضاء الإلهي المتعلق بسعادة من سعد وشقاوة من شقي ناظر إلى هذا النوع الثاني من الغاية فإنه تعالى يعلم ما يؤول إليه حال الخلق من سعادة أو شقاء فهو مريد لذلك بإرادة تبعية لا أصلية . وعلى هذا النوع من الغاية ينزل قوله تعالى :
« وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ »
وما في هذا المساق من الآيات الكريمة وهي كثيرة . وقوله :
لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها
إشارة إلى بطلان استعدادهم للوقوع في مجرى الرحمة الإلهية ، والوقوف في مهب النفحات الربانية ، فلا ينفعهم ما يشاهدونه من آيات اللّه ، وما يسمعونه من مواعظ أهل الحق ، وما تلقنه لهم فطرتهم من الحجة والبينة . ولا يفسد عقل ولا عين ولا أذن في عمله وقد خلقها اللّه لذلك ، وقد قال :
لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ
( الروم / 30 ) إلا أن يكون الذي يغيره هو اللّه سبحانه فيكون من جملة الخلق لكنه سبحانه لا يغير ما انعمه على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، قال تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
( الأنفال / 53 ) . فالذي أبطل ما عندهم من الاستعداد ، وأفسد أعمال قلوبهم وأعينهم وآذانهم هو اللّه