تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 610

مساهمون:

ص٦١٠
فيئول المعنى إلى أن الهداية إنما تكون هداية حقيقة تترتب عليها آثارها إذا كان للّه فيها مشية ، وإلا فهي صورة هداية وليست بها حقيقة ، وكذلك الأمر في الإضلال ، وإن شئت فقل : إن الكلام يدل على حصر الهداية الحقيقة في اللّه سبحانه ، وكذلك الإضلال ولا يضل به إلا الفاسقين . قوله تعالى :
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
إلى آخر الآية ؛ الذرء هو الخلق ، وقد عرف اللّه سبحانه جهنم غاية لخلق كثير من الجن والإنس ، ولا ينافي ذلك ما عرف في موضع آخر أن الغاية لخلق الخلق هي الرحمة وهي الجنة في الآخرة كقوله تعالى :
إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ
( هود / 119 ) فإن الغرض يختلف معناه بحسب كمال الفعل ونهاية الفعل التي ينتهي إليها . بيان ذلك أن النجار إذا أراد أن يصنع بابا عمد إلى أخشاب يهيئها له ثم هندسة فيها ثم شرع في النشر والنحت والخرط حتى أتم الباب فكمال غرضه من إيقاع الفعل على تلك الخشبات هو حصول الباب لا غير ، هذا من جهة ومن جهة أخرى هو يعلم من أول الأمر أن جميع أجزاء تلك الخشبات ليست تصلح لأن تكون أجزاء للباب فإن للباب هيئة خاصة لا تجامع هيئة الخشبات ، ولا بد في تغيير هيئتها من ضيعة بعض الأجزاء لخروجها عن هندسة العمل فصيرورة هذه الأبعاض فضلة يرمى بها داخلة في قصد الصانع مرادة له بإرادة تسمى قصدا ضروريا فللنجار في صنع الباب بالنسبة إلى الأخشاب التي بين يديه نوعان من الغاية : أحدهما الغاية الكمالية وهي أن يصنع منها بابا ، والثاني الغاية التابعة وهي أن يصنع بعضها بابا ويجعل بعضها فضلة لا ينتفع بها وضيعة يرمى بها ، وذلك لعدم استعدادها لتلبس صورة الباب . وكذا الزارع يزرع أرضا ليحصد قمحا فلا يخلص لذلك إلى يوم الحصاد إلا بعض ما صرفه من البذر ، ويذهب غيره سدى يضيع في الأرض أو تفسده الهوام أو يخصفه المواشي والجميع
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 610 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي