غضب وأسف لما أخبره اللّه تعالى لدى الرجوع بأن قومه ضلوا بعبادة العجل بعده فوبخهم وذمهم بما صنعوا وقال : بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وطلبتموه قبل بلوغ أجله ، وهو أمر من بيده خيركم وصلاحكم ولا يجري أمرا إلا على ما يقتضيه حكمته البالغة ، ولا يؤثر فيه عجلة غيره ولا طلبه ولا رضاه إلا بما شاء ، والظاهر أن المراد بأمر ربهم أمره الذي لأجله واعد موسى لميقاته ، وهو نزول التوراة .
قوله تعالى :
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ
الآية ؛ دعاء منه عليه السّلام وقد تقدم في الكلام على المغفرة في آخر الجزء السادس من الكتاب أن المغفرة أعم موردا من المعصية .
قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ
الآية ؛ تنكير الغضب وكذا الذلة للإشعار بعظمتها وقد أبهم اللّه سبحانه ما سينالهم من غضبه وذلة الحياة فلم يبين ما هما فمن المحتمل أن تكون الإشارة بذلك إلى ما جرى عليهم بعد ذلك من تحريق العجل المعبود ونسفه في اليم نسفا وطرد السامري وقتل جمع منهم ، أو أن يكون المراد به ما ضرب اللّه على قومهم من الذلة والمسكنة والقتل والإبادة والإسارة ، ويمكن أن يكون المراد بالغضب هو عذاب الآخرة فيجمع لهم بذلك هوان الآخرة وذلة الدنيا .
وكيف كان فذيل الآية :
« وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ »
بظاهره يدل على أن ذلك أعني نيل غضب الرب سبحانه وذلة الحياة الدنيا سنة جارية إلهية في المفترين على اللّه وهذا الذي يدل عليه الآية يهدي إليه الأبحاث العقلية أيضا كما مر مرارا .
قوله تعالى :
وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
ضمير
« مِنْ بَعْدِها »
الأول راجع إلى السيئات ، والثاني إلى التوبة ، ومعنى الآية ظاهر .
والآية وإن كانت في نفسها عامة لكنها بالنظر إلى المورد بمنزلة الاستثناء من الذين اتخذوا