وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ ( 126 )
بيان :
قوله تعالى :
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ
إلى آخر الآية ؛ في تغيير السياق في أول القصة دلالة على تجدد الاهتمام بأمر موسى عليه السّلام فإنه من أولي العزم صاحب كتاب وشريعة ، وقد ورد الدين ببعثته في مرحلة جديدة من التفصيل بعد المرحلتين اللتين قطعهما ببعثة نوح وإبراهيم عليهما السّلام ، وفي لفظ الآيات شيء من الإشارة إلى تبدل المراحل فقد قال تعالى أولا :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ *
وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً *
وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً *
فجرى على سياق واحد لأن هودا وصالحا كانا على شريعة نوح ؛ ثم غير السياق فقال :
وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ *
لأن لوطا من أهل المرحلة الثانية في الدين وهي مرحلة شريعة إبراهيم ، وكان لوط على شريعته ثم عاد إلى السياق السابق في بدء قصة شعيب ، ثم غير السياق في بدء قصة موسى بقوله :
« ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ »
لأنه ثالث أولي العزم صاحب كتاب جديد وشريعة جديدة ، ودين اللّه وشرائعه وإن كان واحدا لا تناقض فيه ولا تنافي غير أنه مختلف بالإجمال والتفصيل والكمال وزيادته بحسب تقدم البشر تدريجيا من النقص إلى الكمال ، واشتداد استعداده لقبول المعارف الإلهية عصرا بعد عصر إلى أن ينتهي إلى موقف علمي هي أعلى المواقف فيختتم عند ذلك الرسالة والنبوة ، ويستقر الكتاب والشريعة استقرارا لا مطمع بعده في كتاب جديد أو شريعة جديدة ولا يبقى للبشر بعد ذلك إلا التدرج في الكمال من حيث انتشار الدين وانبساطه على المجتمع البشري واستيعابه لهم ، وإلا التقدم من جهة التحقق بحقائق المعارف ، والترقي في مراقي العلم والعمل التي يدعو إليها الكتاب ، ويحرض عليها الشريعة والأرض للّه يورثها من يشاء