ولهذا العهد تحقق سابق على هذا التحقق وهو أن اللّه سبحانه أخذه بعينه منهم حين خلقهم وسواهم بخلق أبيهم آدم وتسويته ثم جعله مثالا للإنسانية العامة فاسجد له الملائكة وأدخله الجنة ثم عهد إليه حين أمر بهبوطه الأرض أن يعبده هو وذريته ولا يشركوا به شيئا .
وقد قدر اللّه سبحانه هنالك ما قدر فهدى بحسب تقديره قوما ولم يهد آخرين ثم إذا وردوا الدنيا وأخذوا في سيرهم في مسير الحياة اهتدى الأولون ، وفسق عن عهده الآخرون حتى طبع اللّه على قلوبهم وحقت عليهم الضلالة في الدنيا بعد أعمالهم السيئة كما تقدم بيانه في تفسير قوله :
كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ
( الآية 30 من السورة ) .
فمعنى الآية على هذا : فما كانوا ليؤمنوا عند دعوة الأنبياء بما كذبوا به ولم يقبلوه عند أخذ العهد الأول ، وما وجدنا لأكثرهم من وفاء في الدنيا بالعهد الذي عهدناه هناك وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين خارجين عن حكم ذلك العهد .
فهذا معنى لكنه غير مناف للمعنى السابق فإن أحد المعنيين في طول الآخر وليسا بمتعارضين فإن تعين طريق الإنسان وغايته من سعادة وشقاوة بحسب القدر لا ينافي إمكان سعادته وشقاوته في الدنيا ، وإناطة تحقق كل منهما باختياره ذلك وانتخابه .
وفيه : أنه معنى صحيح في نفسه غير أنه من البطن دون الظهر الذي عليه يدور التفسير ، والدليل عليه قوله بعده :
« كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ »
فإنه يصرح بأن عدم إيمانهم كذلك إنما كان بالطبع على قلوبهم ، وإن اللّه طبع على قلوبهم بتكذيبهم السابق فلم يؤمنوا به عند الدعوة اللاحقة ، والطبع لا يكون ابتدائيا في الدنيا بل لجرم سابق فيها ، وهذا أحسن شاهد على أن هذا التكذيب الذي أورث لهم الطبع على قلوبهم كان في الدنيا ثم الطبع أوجب لهم أن لا يؤمنوا بما كذبوا به من قبل .
وفي هذا المعنى آيات أخر تدل على أن الطبع والختم الإلهي إنما هو عن جرم سابق