تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 536

مساهمون:

ص٥٣٦
وعلى هذا فالمعنى في الآية : لقد جاءتهم رسلهم بالبينات لكنهم لما لم يؤمنوا بالآيات المرسلة إليهم الداعية لهم إلى التضرع إلى اللّه والشكر لإحسانه بل شكوا فيها بل حملوها على عادة الدهر وتصريف الأيام وتقليبها الإنسان من حال إلى حال فكذبوا بهذه الآيات ، واستقر التكذيب في قلوبهم فلما دعاهم الأنبياء إلى الدين الحق لم يؤمنوا بما كانوا يدعون إليه من الحق وبما كانوا يذكرونهم بها من الآيات لأنهم كذبوا بها من قبل وما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل فإن اللّه عزّ وجل طبع على قلوبهم فهم لا يسمعون . فعدم إيمانهم أثر الطبع الإلهي ، والطبع أثر تكذيبهم بدلالة الابتلاء بالبأساء والضراء ثم تبديل السيئة حسنة ثانيا ، ومن الدليل عليه قوله :
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ
( يونس / 13 ) ، وقوله :
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ
- يعني نوحا -
رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ
( يونس / 74 ) ، وعلى هذا فقوله :
« فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ »
تفريع على قوله :
« وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ »
، والمراد بما كذبوا به الآيات البينات التي ذكرتهم بها الأنبياء من آيات الآفاق والأنفس وما جاءوا به من الآيات المعجزة فالجميع آياته ، والمراد بتكذيبهم بها من قبل ، تكذيبهم بها من حيث دلالة عقولهم بمشاهدتها أنهم مربوبون للّه لا رب سواه ، وبعدم إيمانهم ثانيا عدم إيمانهم بها حين يذكرهم بها الأنبياء . فالمعنى فما كانوا ليؤمنوا بما يذكرهم به ويأتي به الأنبياء من الآيات التي كذبوا بها حين ذكرتهم بها عقولهم ، وأرسلها اللّه إليهم ليذكروا ويتضرعوا إليه ويشكروا له . وعلى هذا فالمراد بالعهد في قوله في الآية التالية :
« وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ »
هو العهد الذي عهده اللّه سبحانه إليهم من طريق العقل بلسان الآيات : أن لا يعبدوا إلا إياه ، والمراد بالفسق خروجهم عن ذلك العهد بعدم الوفاء به .
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 536 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي