آخر :
فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ
( يونس / 74 ) فإنه أظهر في كون « ما » موصولة لمكان ضمير
« بِهِ »
ويؤول المعنى إلى أنهم كذبوا بما دعوا إليه أولا ثم لم يؤمنوا به عند الدعوة النبوية ثانيا .
ويؤيده ظاهر قوله :
« فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا »
فإن هذا التركيب يدل على نفي التهيؤ القبلي يقال :
ما كنت لآتي فلانا ، وما كنت لا كرم فلانا وقد فعل كذا أي لم يكن من شأني كذا ولم أكن بمتهيئ لكذا ، وفي التنزيل :
ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ
( آل عمران / 179 ) ، أي كان في إرادته التمييز من قبل .
وقال تعالى :
لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا
( النساء / 137 ) .
ويؤيده أيضا قوله في الآية التالية :
« وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ »
فإن ظاهر السياق أن هذه الآية معطوفة عطف تفسير على قوله :
« فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ »
فيتبين بها أنهم كانوا عهد إليهم بعهد ففسقوا عنه وكذبوا به حين عهد إليهم ثم إذا جاءتهم الرسل بالبينات كذبوهم ولم يؤمنوا بهم ، وما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل .
والآية أعني قوله :
« وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ »
مذيلة بقوله :
« كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ »
فدل ذلك على أن ما وصفه من مجيء الرسل بالبينات وعدم إيمانهم لتكذيبهم بذلك قبلا هو من مصاديق الطبع المذكور ، وحقيقته أن اللّه ثبت التكذيب في قلوبهم ومكنه من نفوسهم حتى إذا جاءتهم الرسل بالبينات لم يكن محل لقبول دعوتهم لكون المحل مشغولا بضده .
فتنطبق هاتان الآيتان بحسب المعنى على الآيتين الأوليين أعني قوله :
« وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها »
إلى آخر الآيتين ؛ حيث تصفان سنة اللّه أنه يرسل آيات دالة على حقية أصول الدعوة من التوحيد وغيره بأخذهم بالبأساء والضراء ثم تبديل السيئة حسنة ثم يطبع على قلوبهم جزاء لجرمهم .