تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 503

مساهمون:

ص٥٠٣
ولذلك عاد أولا إلى دين العبودية فقال :
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها
فأمر أن يدعوه بالتضرع والتذلل وأن يكون ذلك خفية من غير المجاهرة البعيدة عن أدب العبودية الخارجة عن زيها - بناء على أن تكون الواو في
« تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً »
للجمع - أو أن يدعوه بالتضرع والابتهال الملازم عادة للجهر بوجه أو بالخفية إخفاتا فإن ذلك هو لازم العبودية ومن عدا ذلك فقد اعتدى عن طور العبودية وإن اللّه لا يحب المعتدين . ومن الممكن أن يكون المراد بالتضرع والخفية : الجهر والسر وإنما وضع التضرع موضع الجهر لكون الجهر في الدعاء منافيا لأدب العبودية إلا أن يصاحب التضرع . هذا فيما بينهم وبين اللّه ، وأما فيما بينهم وبين الناس فإن لا يفسدوا في الأرض بعد إصلاحها فليس حقيقة الدين فيما يرجع إلى حقوق الناس إلا أن يصلح شأنهم بارتفاع المظالم من بينهم ومعاملتهم بما يعينهم على التقوى ، ويقربهم من سعادة الحياة في الدنيا والآخرة . ثم كرر الدعوة إليه وأعاد البعث إلى دعائه بالجمع بين الطريقين الذين لم يزل البشر يعبد الرب أو الأرباب من أحدهما وهما طريق الخوف وطريق الرجاء فإن قوما كانوا يتخذون الأرباب خوفا فيعبدونهم ليسلموا من شرورهم ، وكان قوما يتخذون الأرباب طمعا فيعبدونهم لينالوا خيرهم وبركتهم لكن العبادة عن محض الخوف ربما ساق الإنسان إلى اليأس والقنوط فدعاه إلى ترك العبادة ، وقد شوهد ذلك كثيرا ، والعبادة عن محض الطمع ربما قاد إلى استرسال الوقاحة وزوال زي العبودية فدعاه إلى ترك العبادة ، وقد شوهد أيضا كثيرا فجمع سبحانه بينهما ودعا إلى الدعاء باستعمالهما معا فقال :
« وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً »
ليصلح كل من الصفتين ما يمكن أن تفسده الأخرى ، وفي ذلك وقوع في مجرى الناموس العام الجاري في العالم أعني ناموس الجذب والدفع . وقد سمى اللّه سبحانه هذا الاعتدال في العبادة والتجنب عن إفساد الأرض بعد إصلاحها